في وقت يعيش فيه العالم على وقع تحولات جيوسياسية متسارعة ونزاعات مسلحة غير مسبوقة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، رسم تقرير مؤشر السلام العالمي لسنة 2026 صورة قاتمة عن الوضع الأمني الدولي، في حين حققت المملكة المغربية تقدماً ملموساً صنفها في صدارة منطقة شمال إفريقيا.
وكشف التقرير الصادر حديثاً عن معهد الاقتصاد والسلام، والذي شمل 163 دولة وإقليماً مستقلاً تغطي معظم سكان العالم، عن تدهور متوسط مستوى السلام العالمي بنسبة 0.7 في المائة، مشيراً إلى أن أوضاع السلام ساءت في 119 دولة، بينما لم تتحسن سوى في 42 دولة فقط على الصعيد العالمي.
وعلى مستوى التصنيف، تمكنت المملكة المغربية من الارتقاء إلى المركز الخامس والستين عالمياً برصيد 1.88 نقطة، محققة تقدماً بثلاثة مراكز مقارنة بالعام الماضي، لتبسط صدارتها على قائمة دول شمال إفريقيا الأكثر سلاماً، متفوقة على تونس التي حلت في المركز السابع والسبعين، والجزائر التي جاءت متأخرة في المركز التاسع والتسعين.
وفي المقابل، حافظت إيسلندا على صدارتها المطلقة كأكثر دول العالم سلاماً، متبوعة بكل من نيوزيلندا والسويد في المركزين الثاني والثالث على التوالي، فيما تذيلت القائمة كل من أوكرانيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية وروسيا في المراكز الثلاثة الأخيرة.
وأكد التقرير أن النزاعات المسلحة باتت المحرك الرئيسي لتراجع مستويات السلام عالمياً، حيث يسجل العالم اليوم عدداً من النزاعات النشطة القائمة بين الدول أكثر من أي وقت مضى منذ عام 1945، في وقت تضاعف فيه تقريباً عدد الدول المتورطة في نزاعات خارجية منذ عام 2008.
وواكب هذا التدهور ارتفاع ملحوظ في مستوى الإنفاق العسكري العالمي للسنة العاشرة على التوالي.
ورغم تراجع إجمالي الوفيات الناجمة عن النزاعات مقارنة بذروتها المسجلة في عام 2023، فإن العام الماضي سجل ثاني أعلى عدد من الوفيات، مدفوعاً بالحرب الأهلية في السودان، والنزاع المطول في أوكرانيا، وحرب الأيام الاثني عشر بين إسرائيل والولايات المتحدة وإيران، وهي صراعات تركت البيئة الدولية في حالة أكثر هشاشة وعسكرة من أي وقت مضى.
وأظهرت الأرقام الصادمة الواردة في الوثيقة أن النزاعات الداخلية ذات الطابع الدولي أصبحت نمطاً أكثر تكراراً، محققة زيادة تتجاوز 175 في المائة منذ عام 2010، كما ارتفع عدد الدول المتورطة في نزاع خارجي واحد على الأقل خلال السنوات الخمس الماضية من 59 دولة في عام 2008 إلى 103 دول في مؤشر هذا العام.
وتزامن ذلك مع قفزة مرعبة في عدد الوفيات الناجمة عن النزاعات الداخلية بأكثر من ستة أضعاف، حيث ارتفعت من حوالي 29 ألفاً في عام 2008 إلى أكثر من 181 ألفاً في العام الماضي، بعد أن بلغت ذروتها بأكثر من 309 آلاف حالة وفاة في عام 2023.
كما زاد عدد الدول التي سجلت ألف حالة وفاة أو أكثر بسبب النزاعات في عام واحد من ثماني دول إلى عشرين دولة خلال الفترة ذاتها.
وعزا معهد الاقتصاد والسلام هذا الارتفاع القياسي في حدة الصراعات إلى تحول هيكلي أوسع في العلاقات الدولية يُطلق عليه “التشظي الكبير”، وهو التحول الذي بدأت ملامحه أواخر العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، ويمثل الحقبة الكبرى الثالثة في العلاقات الجيوسياسية خلال الخمسين سنة الماضية، بعد حقبتي الحرب الباردة والعولمة المتسارعة بعد عام 1990.
وتتميز هذه الحقبة الجديدة ببروز قوى إقليمية صاعدة، حيث تضاعف عدد القوى الإقليمية المتوسطة منذ عام 1991 من 9 دول إلى 16 دولة، وتضاعف عدد القوى الناشئة ثلاث مرات، لدرجة أن القدرة المادية المشتركة لدول القوى المتوسطة باتت تتجاوز حالياً قدرة القوى العظمى، بالموازاة مع تراجع حاد للحصة الاقتصادية للقوى الأوروبية الكبرى من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، حيث انخفضت حصة ألمانيا بمقدار النصف لتصل إلى 4.3 في المائة، وهبطت حصة فرنسا إلى 2.9 في المائة.
وخلص التقرير في أبعاده الجغرافية إلى تكريس الانقسام الحاد في مستويات الأمان بين أقاليم المعمورة، حيث لا تزال أوروبا الغربية والوسطى تحتفظ بموقعها كالمنطقة الأكثر سلاماً واستقراراً في العالم، في حين تواصل منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تذيل القائمة باعتبارها المنطقة الأقل سلاماً على وجه الأرض، على الرغم من التميز والاستقرار الدبلوماسي والأمني الذي تبديه بعض دولها وفي مقدمتها المملكة المغربية.
Le12.ma
