بمناسبة الذكرى الـ51 للمسيرة الخضراء، تعود ذاكرة هذا الحدث الوطني إلى الواجهة من خلال صورة كاميو أحمر قديم، ظل شاهداً صامتاً على ملحمة وطنية جسدت تشبث المغاربة بصحرائهم.
ومن زاوية رمزية تمزج بين الذاكرة والتاريخ والرسائل الموجهة إلى المنتظم الدولي، يستحضر الإعلامي إبراهيم بوليد حكاية هذا الكاميو، متخيلاً ما يمكن أن يقوله لمجلس الأمن لو استطاع الكلام.
وفي هذا السياق، تنشر جريدة Le12.ma تدوينة الإعلامي إبراهيم بوليد، التي تحمل عنوان: «كاميو المسيرة الخضراء: لو نطق لقال لمجلس الأمن ما لم تقله كل التقارير».
إنها قراءة وجدانية تستحضر تفاصيل المسيرة الخضراء ورمزية المشاركين فيها، وتعيد تسليط الضوء على دلالات هذه الملحمة في الذاكرة الوطنية المغربية.
بقلم: ابراهيم بوليد
هذا ليس مجرد كاميو أحمر قديم واقف في حمادة الصحراء.
هذا ذاكرة. هذا شاهد. هذا واحد من أبطال المسيرة الخضراء.
في نونبر 1975، لم يكن المغاربة يملكون طائرات فاخرة ولا سيارات مكيفة. كانوا يملكون الإيمان، والراية الوطنية، وكاميو مثل هذا.
كاميو فورد أحمر، بصندوق أزرق، بمحرك يئن، وبعجلات تقاوم الرمل. كان يحمل فوق ظهره عشرات المتطوعين، يحمل الخبز والماء والرايات والقرآن، ويحمل قبل كل ذلك حلم شعب كامل: أن تعود الصحراء إلى أهلها.
كان يقطع الطريق من كلميم إلى طرفاية، ومن أكادير إلى العيون، والناس فوقه يرددون: الصحراء مغربية. لم يكن يشتكي من التعب، ولم يكن يتوقف رغم حرارة الشمس. كان يمشي، لأن الذين فوقه كانوا يمشون نحو التاريخ.
واليوم، بعد خمسين سنة، ما زال واقفا هنا. صامتا. يراقب. الصباغة ذهبت، والزمن أكل من حديده، لكنه لم يسقط. مثل المغرب تماما، ضربته الرياح والعواصف، لكنه بقي واقفا.
لو نطق هذا الكاميو، ماذا سيقول لمجلس الأمن؟
سيقول لهم: أنا كنت هناك. أنا رأيت بعيني. أنا حملت أولئك الذين عبروا الحدود سلميا، بلا سلاح، بلا رصاصة واحدة. حملت الشيوخ والنساء والشباب الذين جاءوا من كل مدن المغرب، من طنجة إلى الكويرة، ليقولوا للعالم إن هذه الأرض أرضهم.
سيقول لهم: أنتم تتحدثون اليوم عن تقارير وعن بعثات وعن حروف. تتحدثون عن حرف R في اسم المينورسو. أما أنا، فأنا لا أعرف الحروف. أنا أعرف الرجال الذين حملتهم. أعرف أنهم لم يكونوا مرتزقة ولا غرباء. كانوا مغاربة، جاءوا إلى أرضهم.
سيقول لهم: أنتم تبحثون عن الاستفتاء في الأوراق، وأنا رأيت الاستفتاء الحقيقي في الصحراء. رأيته يوم خرج 350 ألف مغربي يمشون حفاة، ورأيته كل يوم بعد ذلك، عندما بنى المغاربة العيون والداخلة والسمارة، وبنوا مدن المهن والكفاءات، ومدارس ومستشفيات، وانتخبوا ممثليهم.
سيقول لهم: أين كانت البوليساريو عندما كنت أقطع الصحراء؟ أين كانت تقاريركم عندما كان الأطفال يموتون عطشا في تندوف؟ أنا لم أر البوليساريو في المسيرة. رأيت المغاربة فقط.
سيقول لهم: أنا شاهد لا يكذب. الحديد لا يكذب. أنا لم أقرأ التاريخ في الكتب، أنا صنعته بعجلاتي.
واليوم، ونحن نعيش هذه التطورات الكبرى، سقوط حرف R، وسقوط مشروع الاستفتاء، وانتهاء ولاية المينورسو، يبدو هذا الكاميو وكأنه يبتسم في صمته.
كأنه يقول: ألم أقل لكم؟ ألم أقل لكم منذ خمسين سنة إن الصحراء مغربية؟ لماذا احتجتم إلى خمسين سنة من التقارير لتفهموا ما فهمته عجلاتي في يوم واحد؟
هذا الكاميو لا يطلب تعويضا، ولا يطلب تكريما. لا يطلب إلا شيئا واحدا: أن لا ننسى.
أن لا ننسى أن الصحراء لم تسترجع بالقرارات، بل استرجعت بالأقدام، وبالكاميوات الحمراء، وبالنساء اللواتي كن يزغردن فوق الصناديق الزرقاء، وبالرجال الذين ناموا في العراء ليحرسوا الحلم.
يا مجلس الأمن، إن أردتم الحقيقة، لا تبحثوا عنها في ملفات نيويورك. تعالوا إلى الصحراء، واسألوا هذا الكاميو الأحمر. اسألوه من كان هنا قبل خمسين سنة. سيجيبكم بصمته الذي هو أبلغ من كل تعبير: كان هنا المغاربة، وما زالوا هنا، وسيبقون هنا.
الله يرحم من مات من أبناء المسيرة، ويبارك في من بقي. وتبقى الصحراء مغربية، ولو سقطت كل الحروف، ولو انتهت كل البعثات، لأنها لم تكن يوما حرفا في تقرير، بل كانت دما في عروق شعب.
