تشهد العلاقات المغربية الموريتانية دينامية دبلوماسية متسارعة تعكس رغبة البلدين في تعزيز التنسيق الأمني والسياسي في ظرفية إقليمية شديدة التعقيد.
فبعد ساعات قليلة من استقبال الرئيس الموريتاني، محمد ولد الشيخ الغزواني، في نواكشوط للوزير المنتدب المغربي المكلف بالاستثمار، كريم زيدان، حطّ وزير الخارجية الموريتاني، محمد سالم ولد مرزوق، الرحال بالرباط مبعوثاً خاصاً حاملاً رسالة من الرئيس الموريتاني إلى العاهل المغربي الملك محمد السادس، حيث استقبله نظيره المغربي ناصر بوريطة.
وأكدت وزارة الخارجية المغربية أن هذا اللقاء شكل مناسبة لتأكيد عمق العلاقات الأخوية بين البلدين، واستعراض آفاق التعاون الثنائي، وسبل تعزيز التنسيق المشترك في مختلف القضايا الإقليمية والدولية.
هاجس الأمن.. توغلات البوليساريو وأزمة الحدود
تأتي زيارة رئيس الدبلوماسية الموريتانية إلى الرباط في وقت حساس للغاية بالنسبة لبلاده، التي تسعى منذ عدة أشهر إلى تشديد المراقبة الأمنية على حدودها الشمالية والشرقية.
وتضع نواكشوط حداً للتوغلات المتكررة لعناصر مسلحة تابعة لجبهة “البوليساريو” داخل الأراضي الموريتانية، وهي العناصر التي تحاول استخدام هذه المناطق لإطلاق قذائف باتجاه المواقع الدفاعية للقوات المسلحة الملكية المغربية خلف الجدار الرملي.
وفي خطوة حازمة، أقدم الجيش الموريتاني مؤخراً على إخلاء المنطقة العازلة من المنقبين عن الذهب من صحراويي مخيمات تندوف، وهو الإجراء الذي أعقبه سريعاً اجتماع عسكري رفيع المستوى في تندوف بين مسؤولين عسكريين جزائريين وموريتانيين تمحور حول ضرورة “تأمين الحدود”.
الرباط كوسيط محتمل في الأزمة مع مالي
إلى جانب الهواجس الأمنية المباشرة، تتطلع موريتانيا إلى الاستفادة من العلاقات المتميزة التي تجمع الرباط بمختلف العواصم الإفريقية للعب دور الوسيط في الأزمة الصامتة المتصاعدة بين نواكشوط وباماكو.
وكانت وزارة الخارجية الموريتانية قد استدعت مؤخراً السفير المالي في نواكشوط للاحتجاج على مظاهرة نظمت أمام السفارة الموريتانية في باماكو، شهدت إطلاق دعوات للعنف ضد الرعايا الموريتانيين المقيمين في مالي.
وفي مؤشر يعزز فرضية الوساطة المغربية، تزامنت زيارة وزير الخارجية الموريتاني للرباط مع تواجد وزير الطاقة والمياه المالي، تيموكو تراوري، في العاصمة المغربية، حيث أجرى مباحثات مع وزير التجهيز والماء المغربي، نزار بركة، تركزت على تعزيز العلاقات الثنائية والاستفادة من الخبرة المغربية في تدبير تحديات المياه.
ومن شأن هذه القنوات الدبلوماسية المفتوحة للرباط مع الطرفين أن تسهم في تهدئة التوتر بين الجارتين.
دعم مغربي للمطامح الدبلوماسية الموريتانية
ولا تقتصر الملفات المطروحة على الطاولة على الشق الأمني فحسب، بل تمتد إلى الدعم السياسي المتبادل في المحافل الدولية؛ إذ تبحث موريتانيا عن دعم المملكة لترشيح مستشارة الرئيس الموريتاني، كومبا با (56 عاماً)، لتولي منصب الأمين العام للمنظمة الدولية للفرنكوفونية (OIF)، خلال القمة العشرين المقررة في نونبر 2026 في بنوم بنه بكمبوديا.
ويعتبر الدعم المغربي حاسماً واستراتيجياً لنواكشوط، لما تتمتع به الرباط من نفوذ دبلوماسي قوي داخل القارة الإفريقية والفضاء الفرنكوفوني. وكان المغرب قد ساند سابقاً ترشيح الموريتاني سيدي ولد تاه لرئاسة البنك الإفريقي للتنمية في ماي 2025.
ومع ذلك، تبدو الدبلوماسية المغربية أمام معادلة دقيقة، حيث يتزامن المطلب الموريتاني مع رسالة وجهها الرئيس الرواندي بول كاغامي إلى الملك محمد السادس، يطلب فيها دعم المغرب لإعادة ترشيح وزيرة خارجيته السابقة، لويز موشيكيوابو، لولاية ثالثة على رأس المنظمة الفرنكوفونية، مما يضع الرباط في مركز الثقل السياسي لصياغة التوازنات القادمة في المنطقة.
إ. لكبيش / Le12.ma
