«حضر فوزي لقجع إلى برلمان “البام” محمولًا فوق “العمارية”، بينما كان الوزير بنسعيد يقود به السيارة. ولم ينتظر إسدال الستار على الأشغال، إذ غادر القاعة قبل انتهائها، تالفًا، مكفهرَّ الوجه، شاحبَ المحيّا.

غير أن المفارقة هذه المرة، أن الذي تكفّل بمرافقته لم يكن وزيرًا، بل رئيس مجلس جماعي بوزان يُدعى خاي العربي المحرشي.

مجدُ الرياضة، يا فوزي، لا يُغني عن بؤس السياسة.

ألم يقل الأوّلون: السياسة بنت كلب؟

 

الرباط- خاص جريدة le12.ma

في السياسة، لا توجد مصادفات كثيرة، ولا تمر الرسائل القوية دون أن تترك أثرها. وما جرى داخل المجلس الوطني لحزب الأصالة والمعاصرة لم يكن، في تقديري، مجرد محطة تنظيمية عادية، بل كان أول امتحان حقيقي لقدرة الحزب على التعايش مع معادلة جديدة اسمها: فوزي لقجع.

الرجل لم يدخل الحزب من الباب الخلفي، بل دخل محملا برصيد سياسي وإداري.. جعل اسمه يتقدم على الحدث نفسه.

لذلك كان من الطبيعي أن يطرح التحاقه سؤالا أكبر من مجرد الانتماء الحزبي: من سيقود المرحلة المقبلة داخل “البام”؟

هنا بدأ كل شيء.

لم يكن لافتا بالنسبة إلي فقط أن الترحيب بلقجع جاء باردا مقارنة بحجم الحدث، بل إن الرسائل التي خرجت من المنصة بدت وكأنها تريد القول إن المؤسسات الحزبية هي صاحبة القرار، وإن الأسماء، مهما كان وزنها، لا تختصر الحزب.

سيقول البعض إن ذلك أمر طبيعي، وأنا أتفق معهم.

لكن السياسة ليست فقط ما يقال، بل أيضا كيف يقال، ومتى يقال، ولمن يقال.

عندما خاطبت فاطمة الزهراء المنصوري الوافد الجديد بضرورة “الانضباط”، لم أقرأ العبارة باعتبارها مجرد تذكير بالنظام الداخلي، بل رسالة سياسية مشفرة موجهة إلى الجميع قبل أن تكون موجهة إلى لقجع. مضمونها واضح: لا أحد يأتي ليعيد ترتيب البيت على مقاسه، ولا أحد أكبر من المؤسسة.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل كانت تلك الرسالة ضرورية أصلا؟

إذا كان الحزب يعتبر أن انضمام لقجع قيمة مضافة، فلماذا بدا حريصا منذ اللحظة الأولى على وضع حدود لحركته؟ وإذا كان لا يشكل مصدر قلق، فلماذا كثرت الرسائل التي تؤكد أن القرار التنظيمي ما يزال بيد القيادة الحالية؟

هنا يصبح الحديث عن الصراع الداخلي مشروعا.

لا أعتقد أن ما يجري هو خلاف أشخاص بقدر ما هو صراع حول من يقود المرحلة المقبلة. فهناك من يرى أن الحزب بنى مؤسساته بتراكم سنوات، وهناك من يعتقد أن الانتخابات المقبلة تحتاج إلى وجوه تمتلك القدرة على صناعة الفارق، وفي مقدمتها فوزي لقجع.

أما ما يتم تداوله بشأن اعتذاره عن حضور مأدبة العشاء التنظيمية، أو امتعاضه من بعض تفاصيل الاستقبال، فإن صح، فهو ليس تفصيلا بروتوكوليا، بل مؤشر على أن العلاقة بين الوافد الجديد وبعض مراكز القرار داخل الحزب لن تكون مفروشة بالورود. وإن لم يصح، فإن مجرد انتشار هذه الروايات يعكس حجم القلق الذي يرافق إعادة توزيع موازين القوة داخل “البام”.

في اعتقادي، ما نراه اليوم ليس سوى الفصل الأول.

فالانتخابات تفرض على الجميع هدنة مؤقتة، لأن الأولوية الآن هي تحقيق النتائج، وليس حسم معارك الزعامة. لكن بعد إعلان النتائج، ستسقط كثير من المجاملات، وستبدأ الحسابات الحقيقية. حينها فقط سيظهر من كان يستثمر في المستقبل، ومن كان يدافع عن مواقع النفوذ.

التاريخ القريب للأحزاب المغربية يعلمنا أن الصراعات الكبرى لا تبدأ يوم المؤتمرات، وإنما تبدأ يوم يشعر طرف ما بأن موازين القوة بدأت تميل في غير صالحه.

ولهذا، فإن السؤال ليس: هل توجد حرب داخل “البام”؟

السؤال الحقيقي هو: هل بدأت الضربات تحت الحزام قبل أوانها؟

الأيام وحدها ستجيب، لكن المؤكد أن دخول فوزي لقجع إلى حزب الأصالة والمعاصرة لم يكن مجرد خبر سياسي عابر، بل بداية مرحلة جديدة ستعيد رسم خرائط النفوذ داخل واحد من أكثر الأحزاب حضورا في المشهد السياسي المغربي.

في إنتظار ذلك . غادي غادي دي معاك هادي.

«حضر فوزي لقجع إلى برلمان “البام” محمولًا فوق “العمارية”، بينما كان الوزير بنسعيد يقود به السيارة. ولم ينتظر إسدال الستار على الأشغال، إذ غادر القاعة قبل انتهائها، تالفًا، مكفهرَّ الوجه، شاحبَ المحيّا.

غير أن المفارقة هذه المرة، أن الذي تكفّل بمرافقته لم يكن وزيرًا، بل رئيس مجلس جماعي بوزان يُدعى خاي العربي المحرشي.

مجدُ الرياضة، يا فوزي، لا يُغني عن بؤس السياسة.

ألم يقل الأوّلون: السياسة بنت كلب؟.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *