نجح وزير التربية الوطنية، محمد سعد برادة، في تحويل قبة البرلمان الموقرة إلى “قسم تحضيري” لمحو الأمية المصطلحية، بمجرد أن نطق بمصطلح “النمذجة” وهو يتحدث بنوايا حسنة عن “مؤسسات الريادة”.
فما إن نطق الوزير بهذه الكلمة حتى تحولت القاعة المحترمة – بقدرة قادر – إلى سوق عكاظ للغمز واللمز، وانطلقت منصات التواصل الاجتماعي في حفلة “سخرية” عارمة، وكأن الرجل أطلق تعويذة من كتاب “ألف ليلة وليلة” وليس مصطلحاً علمياً وتربوياً مضبوطاً.
”النمذجة” في واد.. والنقاش في واد!
لتبسيط الأمر على “المتخوفين” و”الساخرين”، النمذجة (Modeling) ليست نوعاً جديداً من الطبخ، ولا هي وسيلة لـ”تمطيط” الوقت.
هي ببساطة عملية بناء نموذج عملي واضح ومحاكاة لسلوك أو نظام معين لفهم ظاهرة معقدة.
وفي السياق التربوي (النمذجة البيداغوجية)، تعني تقديم مثال حي، تطبيقي وملموس يقتدي به المتعلم لتسهيل استيعاب الدروس. يعني: “شوفوني كيندير، وديروا بحالي”.
لكن، يبدو أن هذا الشرح الأكاديمي البسيط ضاع في الممر الضيق المؤدي إلى عقول بعض نوابنا الأفاضل.
فبدل أن يفتح المصطلح باباً لنقاش عميق حول مدى نجاعة تحويل “مؤسسات الريادة” إلى نموذج يُحتذى به في باقي مدارس المملكة، تحول الأمر إلى فرصة ثمينة لـ”تسييس” الإصلاح، وتصفية الحسابات الضيقة.
الهروب إلى السخرية.. عندما يكون الجهل ملجأً!
المثير للشفقة والضحك في آن واحد، هو تلك الهجمة الشرسة من بعض البرلمانيين الذين انخرطوا في حملة التكميش والتهكم، لأن السخرية كانت، ولم تزل، أسهل قناع لإخفاء الجهل المستتر!
فعندما يعجز المرء عن مقارعة الحجة بالحجة، وعندما يستعصي عليه فهم معجم تربوي حديث يعتمد عليه العالم بأسره لتطوير التعليم، يصبح “الضحك” و”الاستهزاء” هو المخرج الوحيد لإنقاذ ماء الوجه أمام الكاميرات.
هكذا تحولت “النمذجة” في مخيلة البعض إلى مرادف لـ”التنميق” أو “الدوخة السياسية”، فقط لأنهم لم يكلفوا أنفسهم عناء فتح معجم أو استشارة خبير تربوي قبل صعود المنصة.
إصلاح التعليم.. بين “النموذج” و”البوز”
إن محاولة إغراق مصطلح علمي في بركة “المزايدات السياسية” يعكس واقعاً مريراً؛ وهو أن منظومة التعليم عندنا لا تحارب فقط الهدر المدرس والأمية بين التلاميذ، بل يبدو أنها تحتاج أولاً إلى ورش استعجالي لمحو “الأمية المصطلحية” تحت قبة البرلمان!
”مؤسسات الريادة” تحتاج اليوم إلى بيئة نقاش جادة، تبحث في العمق: كيف نُنجح هذه “النمذجة”؟ كيف نعممها؟ وما هي الإمكانيات المرصودة لها؟ أما الاكتفاء بتحويل المصطلحات الجديدة إلى “تريند” للسخرية والتنكيت، فلن يزيد المنظومة إلا غرقاً في الجدل العقيم.
”النمذجة” ليست خطراً داهماً، بل هي أداة للعلم والتعلم.. والجهل بها ليس عيباً، لكن العيب كله هو أن تجعل من عدم معرفتك منصة لإحباط محاولات الإصلاح، فقط لأن الكلمة جاءت على وزن “دندنـة”!
إدريس لكبيش/ Le12.ma
