في أحد الأيام الباردة من شتاء عام 1975، وفي غرفة داخل قصر المورادية في العاصمة الجزائر، كان الرئيس الجزائري الأسبق الهواري بومدين، محاطا بفريق من السياسيين والعسكريين، كان ضمن من حضروا وزير الخارجية الأسبق عبد العزيز بوتفليقة، ومحمد الأمين أحمد، المعروف بالجنرال توفيق، رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية سابقا، وآخرون.
فجأة سحب بومدين سيجارة كانت بين طرفي شفتيه، ونظر إلى المتحولقين حوله، وقال لهم بنبرة الإصرار والحسم “سأجعل الصحراء حجر عثرة في حذاء المغرب”.
لم يكن وقتها بومدين يعرف حجم القرار الذي اتخذه، والآثار التي ستترتب عليه، والنفق الذي سيدخل فيه المنطقة المغاربية برمتها. ولأنه كان يرى فقط هدفا واحدا، وهو تعطيل مسيرة المغرب، فإنه لم ير ما فوق ذلك ودونه من عواقب ستجعل الجزائر نفسها في عين الرحى التي تدور بأدي جزائرية.
فهل توفقت الجزائر في جعل قضية الصحراء حجر عثرة في حذاء المغرب؟ وكيف تعامل المغرب مع المؤامرة الجزائرية ضده؟ وما هي نتيجة صراع دام أكثر من نصف قرن؟
الجزائر تطحن نفسها بنفسها
منذ إطلاق الجزائر مخططها لإضعاف المغرب، جعلت قضية الصحراء محورا استراتيجيا في سياستها الداخلية والخارجية على حد سواء.
داخليا، برمجت الدولة الجزائرية كل أجهزتها المدنية والعسكرية على كراهية المغرب ومعاداته. وعبأت كل مؤسساتها السياسية والثقافية والتربوية والإعلامية والدينية من أجل أن يكون المواطن الجزائري مشغولا بأمر واحد وهو “العدو المغربي”.
إلى حد كبير نجح النظام الجزائري في جعل الشعب الجزائري تحت التخدير طيلة 50 سنة، يكره المغرب وينظر إليه على أنه بلد منهار ومتخلف وعدواني، واليوم تظهر نتيجة هذه السياسة بكل وضوح في سلوك الجزائر دولة وشعبا (طبعا مع استثناء جزائريين تنبهوا إلى خطورة النظام ولعبته القذرة).
لم يكن هدف بومدين فقط هو حشد الدعم الشعبي الجزائري لاستهداف المغرب، وإنما أسس النظام الجزائري بواسطة منظومة سياسية متكاملة، لتخدير الشعب الجزائري وتدجينه وجعله يشعر دائما بالخطر الخارجي، ويعتقد بأنه الأفضل من غيره، وأن حالته الاجتماعية والإقتصادية بخير مقارنة بعدوه المغربي.
من أجل تعزيز قبضة النظام على الشعب، استعمل حكام الجزائر المغرب مشجابا لتعليل كل مصيبة تحل بالبلاد، وتمت برمجة المواطنين على أن النظام هو المنقذ، وهو حامي الكرامة والعزة، والمدافع الأول عن تقرير مصير الشعوب، وأن عاصمة البلاد الجزائر هي كعبة الثوار.
خارجيا، لم تدخر الجزائر جهدا في جعل قضية الصحراء ساحة حرب مفتوحة ضد المغرب. واختارت بعناية فائقة جبهة البوليياريو لكي تكون اليد التي تضرب بها المغرب.
اسقبلت الجزائر جبهة البوليساريو، وأوهمتها طيلة 50 سنة بتأسيس دولة مستقلة، قدمت لها في البداية بقعة أرضية، واستدعتها لاستيطان الصحراويبن فوقها في مخيمات بئيسة ما تزال حتى اليوم قائمة.
صرفت الجزائر على مشروع إقامة دولة للبوليياريو أموالا بمبالغ فلكية (يصعب معرفة الرقم الحقيقي)، اشتملت على الدعم العسكري والسياسي.
عسكريا، أسست الجزائر لفائدة الجبهة ميليشيا مسلحة أطلقت عليها اسم “جيش التحرير الشعبي الصحراوي”، وخصصت له ميزانيات بمليارات الدولارات للتسليح، والتدريب، وللعمليات القتالية، التي استمرت 16 سنة من 1975 إلى 1991.
سياسيا، جندت الجزائر كل أطقمها الدبلوماسبة في الخارج، لدى الدول كما في المنظمات والمحافل الدولية من أجل أن تحظى جبهة البوليساريو، (اليد التي تحارب بها المغرب)، باعتراف الدول في العالم.
أنفقت الجزائر المال الكثير على هذه العملية من أجل تطويق المغرب، واشتمل النشاط الدبلوماسي الجزائري على شراء مواقف الدول بتقديم رشاوى إلى قيادات فاسدة، خاصة في إفريقيا وأمريكا اللاتينية، وغطت الخزينة الجزائرية نفقات أنشطة وفود البوليساريو، واقتناء المقرات الدبلوماسية لها، ومقرات السكن، وأداء فواتير الفنادق والمطاعم وتذاكر الطائرات لأكثر من 19 ألف يوم، ولآلاف العناصر من المرتزقة.
المغرب وسلاح الصبر الاستراتيجي
في مواجهة المخطط الجزائري، ركز المغرب على أمرين أساسيين:
– الأمر الأول هو النصر العسكري في ساحة الحرب.
– الأمر الثاني: حسم النزاع بكسب الموقف الدولي برمته.
في ما يخص الحرب المسلحة، واجه المغرب بكل قوة مساعي البوليساريو للتقدم في الميدان. وتمكن من إفشال كل محاولاتها على مدى 16 سنة من الحرب.
رغم استفادة الجبهة من الدعم العسكري، الذي كانت تحظى به بشراكة عسكرية قوية من الجزائر وليبيا وكوبا ودعم فني من سوريا وايران ودول كثيرة من المعسكر الشرقي، لم تتمكن الجبهة في اليوم الأخير من الحرب، ولو بالظفر بشبر واحد من الأرض.
عادت النتيجة العسكرية على المغرب بوضع مريح، ما جعله يبدأ تشغيل الآلة الدبلوماسية، وعينه على هدف واحد هو “إبطال الباطل وإحقاق الحق”.
لم يكن الطريق أمام المغرب مفروشا بالزهور، فهو يعرف جيدا حجم النزاع المفتعل، ودور الأطراف الإقليمية والدولية التي تستثمر فيه، ويميز بين الخطابات المعلنة والنوايا المبطنة.
أصر المغرب منذ البداية على أن تكون الأمم المتحدة هي الحلبة الوحيدة للمعركة الدبلوماسبة، رافضا إقحام أي إطار إقليمي أو دولي آخر.
وتكمن بطريقة ذكية من جر الجزائر ، التي طالما ادعت أنها طرف محايد، للصعود بقدميها إلى الحلبة الأممية.
في البداية، ظنت الجزائر أن قبول المغرب بتوقيع وقف إطلاق النار مع البوليساريو تحت إشراف الأمم المتحدة، هو انتصار للبوليساريو.
لكن المغرب لعب المباريات بنفس طويل، وظل يخلط أوراق اللعب الأممية، مخططا بعد الآخر، (مخطط الاستفتاء، مخطط اتفاق الإطار، مخطط بيكر)، إلى أن قدم مخططه في عام 2007، يقضي بمنح سكان الصحراء حكما ذاتيا تحت السيادة المغربية.
في الوقت الذي ظنت الجزائر أنها ستظل إلى الأبد مجرد متابع لمبارة لعب الورق في الرواق الأممي، استخدم المغرب تقنية ذكية في كشف دور الجزائر في الصراع، وتمكن من جعل مجلس الأمن الدولي يعلن أن الجزائر لاعبا رئيسيا، وليست مجرد متفرج.
مباشرة بعد تقديمه مبادرة الحكم الذاتي، ضبط المغرب عقارب الساعة في يده على التوقيت الدولي. وبدأت تحركاته تسير بسرعة التحولات الإقليمية والدولية.
وفي كل محطة جديدة يسقط موقفا معاديا ويحصل على موقف مؤيد (113 دولة لا تعترف بجبهة البوليساريو وأكثر من 50 دولة سحبت اعترافها، ولم يتبقى سوى أقل من 30 دولة في رصيد الدبلوماسبة الجزائرية).
غطت التحركات المغربية جميع عواصم الدول، ولم تستثن مربعا واحدا من رقعة الشطرنج. وطبقا للقاعدة التي تعتبر مغربية الصحراء المنظار الذي ينظر منه المغرب في تقييم الشراكات مع الدول، أجبرت الرباط عواصم كثيرة على مغادرة المنطقة الرمادية.
خلال السنوات الست الماضية، تكرس التفوق المغربي على الجزائر بضربات متتالية، تمثلت في طرد مليشيات البوليساريو من الكركرات في 13 دجنبر 2020، واعتراف الولايات المتحدة بالسيادة المغربية على الصحراء في 10 دجنبر 2020، إلى إعلان ألمانيا وإسبانيا دعمهما للوحدة الترابية للمغرب، ثم التحاق كل من فرنسا وبريطانيا والاتحاد الاوروبي برمته بالركب الداعم لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، فضلا عن سيل من الدول الإفريقية والعربية التي افتتحت قنصلياتها في مدينتي العيون والداخلة.
نفوق جبهة البوليساريو في نهر جاف
منذ تصريح بومدين في عام 1975 “بجعل الصحراء حجر عثرة في حذاء المغرب”، وإلى اليوم جرت مياه كثيرة تحت الجسر.
سقط جدار برلين، انسحبت القوات السوفياتية من افغانستان، انهار الاتحاد السوفياتي، تفكك حلف وارسو، انتهت الحرب العراقية الإيرانية، اندلعت حربين أخرتين في الخلبج، عمت ثورات في بلدان عربية عدة، سقطت أنظمة كثيرة، توفي قادة دول وتغير شكل النظام العالمي.
أمر واحد لم يتغير، هو تمسك النظام الجزائري بجبهة البوليساريو، والدفاع عنها حتى الرمق الأخير.
والسبب هو أن النظام في الجزائر يعتبر نفسه استثمر كل شيء في مشروع إقامة الدولة الصحراوية، وفشل تحقيق ذلك يعني نهاية هذا النظام.
بسبب تمسك الجزائر بجبهة البوليساريو، وجدت نفسها محاصرة بقرارات اتخذتها بنفسها، وضد علاقاتها الخارجية مع دول اعترفت للمغرب بسيادته على أقاليمه الجنوبية.
توالت عمليات سحب السفراء الجزائريين من باريس ومدريد ومالي والنيجر والإمارات. وباءت طلبات الانضمام الى البربكس ومنظمة شنغاي، والتقرب من أمريكا بالفشل.
وفي صورة أكثر تعبيرا عن موقع الجزائر في العلاقات الإقليمية والدولية، وصف وزير الخارجية الروسي لافروف الأمر بقوله “لا وزن ولا قيمة ولا موقف”.
وفي مشهد تاريخي لا يتكرر، وداخل قاعة مجلس الأمن في 31 أكتوبر 2025، وبحضور مندوب الجزائر التي كانت تشغل مقعدا غير دائم، أصدر المجلس قراره رقم 2797، “يعتبر الجزائر طرفا في النزاع، ويطالب بإجراء مفاوضات بين جميع الأطراف في إطار مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
من جهتها حاولت الجزائر كعادتها التهرب من مسؤولتها، واعتبار نفسها طرفا محايدا في النزاع، لكن اللعبة لم تعد تنطوي على أحد.
كما أن قرار مجلس الأمن جاء واضحا ومدعوما بتوصية إلى الأمم المتحدة والولايات المتحدة معا بالإشراف على تطببق القرار 2797.
هنا اصبحت الجزائر وجها لوجه مع قرار صادر عن مجلس الأمن، وأصبحت البوليساريو في المقعد الخلفي حول طاولة المفاوضات، ولم يعد مجال للمراوغة.
لم يخف وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف تذمره من اللقاء الذي جرى في السفارة الامريكية في مدريد، وكشفت تسريبات أنه خرج من الباب الخلفي للسفارة ورفض التحدث إلى وسائل الإعلام.
من جهته، كشف المبعوث الامريكي مسعد بولس، “أن الجزائر وافقت على القرار 2797، ولكنها طلبت مهلة من أجل تهيئت الرأي العام الداخلي”.
حتى كتابة هذه السطور، ما زال النظام الجزائري يراوغ، محاولا بطريقة أو بأخرى إخراج نفسه من أزمة الصحراء، التي صنعها بنفسه (تذكروا تصريح بومدين).
لكنه محاصر في الوقت نفسه بمعطيات تدينه، وفي طليعتها وجود جبهة البوليساريو التي يجري العمل على إدراجها ضمن قائمة الجماعات الإرهابية.
بالنسبة للمغرب، أصبح الآن ينظر إلى جبهة البوليساريو على أنها حيوان نفق في قلب نهر جاف وسط الصحراء، وأدنى علاقة تدينه فهي تدين النظام الجزائري نفسه، وعلى هذا الاساس تتصرف الرباط بهدوء بعدما تيقنت أن البوليساريو صار حبلا يطوق عنق الجزائر.
طابت أوقاتكم
بقلم: عبد الهادي مزراري
