لم تكن الأستاذة زهور الحر يومًا طالبة مجد شخصي أو باحثة عن الأضواء، بل كانت تؤمن بأن قيمة الإنسان فيما يقدمه لوطنه، وأن شرف القاضي يكمن في استقلاله، ونزاهته، وإنصافه للمظلوم، وصيانة كرامة المتقاضين.
* إعداد الأستاذة مليكة حفيظ (قاضية سابقا)
رئيسة غرفة بمحكمة النقض دكتورة في الحقوق
هناك شخصيات لا يصنعها المنصب، بل تصنع هي قيمة المنصب بما تتحلى به من علم، ونزاهة، وصدق، وتواضع.
وحين يكتب التاريخ صفحات القضاء المغربي، فإن الأستاذة زهور الحر ستظل واحدة من تلك القامات النسائية الاستثنائية التي كرست حياتها لخدمة العدالة، وأسهمت في بناء دولة الحق والقانون، وطبعت مسيرتها ببصمة ستبقى راسخة في ذاكرة كل من عرفها أو اشتغل إلى جانبها.
عرفت الأستاذة زهور الحر، قبل أن تجمعني بها المؤسسة القضائية.
ففي سنة 1984، عندما التحقت بالمحكمة الابتدائية بالجديدة في بداية مساري المهني، وكلفت بالنظر في القضايا الاجتماعية، ومنها منازعات الشغل وحوادث الشغل، كان إسمها لا يزال يتردد داخل المحكمة بكل تقدير وإجلال، رغم إنتقالها سنة 1983 إلى المحكمة الابتدائية بالدار البيضاء.
كان القضاة والموظفون ومساعدو القضاء يتحدثون عنها بإعجاب بالغ، ويشهدون لها بالكفاءة العلمية، والنزاهة، والاستقامة، والشجاعة في تطبيق القانون، وبدماثة الخلق وحسن معاملة الجميع.
وقد ولّد ذلك في نفسي رغبة كبيرة في التعرف إلى هذه القاضية التي تركت خلفها هذا الأثر الطيب.
ولم أكتف بما كنت أسمعه عنها، بل كنت، كلما اعترضتني قضية قانونية دقيقة أو استشكلت عليّ مسألة قضائية، أنتقل من الجديدة إلى الدار البيضاء لأستشيرها.
وكانت تستقبلني بكل رحابة صدر، وتمنحني من وقتها وعلمها دون تردد، تناقشني في الوقائع والنصوص والاجتهادات، وتوجهني بما عُرفت به من عمق في التحليل، وسداد في الرأي، وحكمة في تنزيل القانون.
لقد وجدتها نعم المستشارة، ونعم الأذن الصاغية، والإنسانة الراقية التي جمعت بين سعة العلم، ورجاحة العقل، ورفعة الأخلاق، والتواضع الذي لا يزيد العلماء إلا قدرًا.
وكانت قادرة على تبسيط أعقد الإشكالات القانونية، وربط النص القانوني بروحه ومقاصده، وهو ما جعلني أزداد إعجابًا بها يومًا بعد يوم.
وحين شاءت الأقدار أن ألتحق بعد ذلك بالمحكمة الابتدائية بالدار البيضاء للعمل إلى جانبها، وجدت أن الحقيقة كانت أجمل من كل ما سمعته عنها.
كانت قاضية مقتدرة، ومسؤولة حكيمة، وإنسانة لا تفارق الابتسامة محياها، تؤمن بأن القضاء رسالة سامية قبل أن يكون وظيفة، وتؤدي واجبها بإخلاص نادر، لا تعرف الكلل ولا الملل.
لقد كانت بالنسبة إلي مدرسة حقيقية في القضاء، تعلمت منها أن هيبة القاضي لا تُستمد من السلطة، وإنما من العلم، والنزاهة، والعدل، واحترام الإنسان.
وما زلت إلى اليوم أعتز بأنني كنت من المحظوظات اللواتي نهلن من علمها وخبرتها، وحاولت، قدر استطاعتي، أن أسير على النهج الذي رسمته في الجدية والانضباط والإخلاص.
وفي سنة 1992 التحقت بالعمل الجمعوي، ثم جمعتني بها من جديد الجمعية المغربية لمساندة الأسرة، التي كانت من الجمعيات الرائدة في الدفاع عن حقوق المرأة والطفل والأسرة، وفي إحداث مراكز للاستماع والتوجيه القانوني، وهي تجربة عمقت اقتناعي بأن العدالة لا تقف عند حدود الأحكام القضائية، بل تمتد إلى التوعية والإرشاد والوساطة والدفاع عن كرامة الإنسان.
كما جمعنا سنة 1998 ورش وطني كبير داخل الوزارة المنتدبة المكلفة بحقوق الإنسان، حيث عملنا خبيرتين مستشارتين في مشروع ملاءمة التشريعات الوطنية مع الاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق المرأة والطفل التي سبق ان صادق عليها المغرب.
وشمل ذلك مراجعة عدد من النصوص القانونية المهمة، منها القانون الجنائي، وقانون الأحوال الشخصية، وقانون الجنسية، وقانون الحالة المدنية، وقانون كفالة الأطفال المهملين، وغيرها من التشريعات التي شكلت أساسًا لتطوير المنظومة القانونية المغربية.
واستمرت بعد ذلك مشاركاتنا في عدد من الأوراش القانونية والتشريعية المتعلقة بالأسرة والطفل، وظلت علاقتنا المهنية والإنسانية متواصلة إلى يومنا هذا، قائمة على التقدير المتبادل والاحترام الصادق.
ولم يكن مستغربًا أن تحظى الأستاذة زهور الحر بثقة جلالة الملك محمد السادس، فاختيرت عضوًا في اللجنة الملكية الاستشارية المكلفة بمراجعة مدونة الأسرة، وهو اختيار يعكس مكانتها العلمية وخبرتها القضائية المشهود بها.
كما تقلدت مسؤوليات قضائية سامية، من بينها رئاسة محاكم ابتدائية، ورئاسة غرفة بمحكمة النقض، وعملت أستاذة بالمعهد العالي للقضاء، وأسهمت في تكوين أجيال من القضاة، قبل أن تواصل رسالتها بعد التقاعد من خلال مهنة المحاماة والعمل الحقوقي والجمعوي.
لكن أكثر ما يلفت الانتباه في مسيرتها ليس كثرة المناصب التي تقلدتها، وإنما حجم التضحيات التي قدمتها.
فقد أفنت عمرها في خدمة العدالة، وقدمت العمل على راحتها الشخصية، وعلى صحتها، وعلى وقتها المخصص لأسرتها.
وكانت تتنقل باستمرار بين الدار البيضاء والرباط وخارج أرض الوطن، لأداء المهام الموكولة إليها في القضاء، وفي القطاعات الحكومية، وفي المؤسسات الحقوقية، وفي اللجان الوطنية، مؤمنة بأن خدمة الوطن مسؤولية لا تعرف حدودًا.
واليوم، وبعد هذا العطاء الممتد لعقود، تمر الأستاذة زهور الحر بوعكة صحية صعبة جعلتها تلازم بيتها.
وأحرص، كلما أتيحت لي الفرصة، على زيارتها رفقة بعض صديقاتها وأصدقائها، وفاءً لعلاقة امتدت لأكثر من أربعة عقود.
وفي كل زيارة، أشعر بأن أكثر ما يؤلمها ليس المرض في حد ذاته، وإنما الإحساس بأن كثيرًا ممن اشتغلت معهم وتقاسمت معهم المسؤوليات لم يعودوا يسألون عنها أو يزورونها أو يطمئنون على صحتها.
وهو شعور يحز في النفس، لأن الوفاء الحقيقي لا يكون في حفلات التكريم، وإنما يظهر في أوقات الشدة، حين يحتاج الإنسان إلى كلمة طيبة، أو زيارة صادقة، أو دعاء مخلص.
إنني لا أكتب هذه الكلمات من باب العتاب، ولا بقصد لوم أحد، وإنما لأدعو إلى ترسيخ ثقافة الوفاء والاعتراف بالجميل.
فالكفاءات الوطنية التي أفنت أعمارها في خدمة الوطن تستحق أن تحاط بالرعاية والتقدير وهي في مواقع المسؤولية، كما تستحق ذلك وهي تواجه المرض أو تتقدم بها السن.
ستظل الأستاذة زهور الحر، في نظري، رمزًا من رموز القضاء المغربي، ومدرسة في النزاهة والعطاء، ونموذجًا للمرأة المغربية التي جمعت بين العلم والكفاءة، وبين الحزم في تطبيق القانون والرحمة في معاملة الإنسان، وبين صرامة المسؤولية ورقي الأخلاق، وبين قوة الشخصية والتواضع الذي لا يفارق العظماء.
لقد كانت، وما تزال، من أولئك الذين لا يقيسون النجاح بعدد المناصب التي تقلدوها، وإنما بمقدار الأثر الطيب الذي يتركونه في النفوس، وبما يغرسونه من قيم فيمن عملوا معهم وتتلمذوا على أيديهم.
فقد خرج من مدرستها قضاة ومسؤولون ورجال ونساء قانون حملوا معهم شيئًا من علمها، وكثيرًا من أخلاقها، واستلهموا من سيرتها معنى الاستقامة والالتزام والإخلاص.
ولم تكن الأستاذة زهور الحر يومًا طالبة مجد شخصي أو باحثة عن الأضواء، بل كانت تؤمن بأن قيمة الإنسان فيما يقدمه لوطنه، وأن شرف القاضي يكمن في استقلاله، ونزاهته، وإنصافه للمظلوم، وصيانة كرامة المتقاضين.
ولذلك ظلت تعمل في صمت، وتعطي في صمت، وتنجز في صمت، تاركةً أعمالها تتحدث عنها، وسيرتها تشهد لها، ومحبة الناس أكبر وسام تقلدته في حياتها.
وإذا كان التاريخ القضائي المغربي قد احتفظ بأسماء صنعت محطات مضيئة في مسيرة العدالة، فإن اسم الأستاذة زهور الحر سيظل حاضرًا بينها بكل استحقاق، لأنها لم تكن مجرد قاضية تقلدت مناصب رفيعة، بل كانت صاحبة مشروع إنساني وقيمي، آمنت بأن العدالة ليست نصوصًا جامدة، وإنما رسالة أخلاقية قبل كل شيء، وأن القضاء لا يستقيم إلا بالعلم، ولا يكتمل إلا بالنزاهة، ولا يخلد إلا بالإنصاف.
واليوم، وهي تواجه محنة المرض بصبر المؤمنين ورضا المحتسبين، فإن أقل ما تستحقه هو أن نرد لها جزءًا يسيرًا من جميلها، وأن نحيطها بالدعاء والوفاء والتقدير.
فالوفاء ليس مجاملة، بل هو خلق أصيل، وواجب أخلاقي تجاه من أفنوا أعمارهم في خدمة الوطن، وضحوا براحتهم وصحتهم وأوقات أسرهم حتى يبقى ميزان العدالة قائمًا.
أسأل الله العلي القدير أن يمن على أستاذتنا الجليلة زهور الحر بتمام الشفاء، وأن يلبسها لباس الصحة والعافية، وأن يخفف عنها كل ألم، وأن يجزيها عن وطنها، وعن القضاء المغربي، وعن كل ما قدمته للمرأة والطفل والأسرة وحقوق الإنسان، خير الجزاء وأوفاه.
وسيظل اسم الأستاذة زهور الحر، بالنسبة إلي، عنوانًا للنبل، ومرادفًا للنزاهة، وصورة مشرقة للمرأة المغربية التي شرفت القضاء بعلمها، ورفعت مكانته بأخلاقها، وتركت للأجيال إرثًا مهنيًا وإنسانيًا سيبقى حيًا ما بقي الحديث عن العدالة في هذا الوطن
