يستعرض منير الأمني، عضو المجلس الوطني لحزب التجمع الوطني للأحرار، في هذا المقال قراءة تحليلية معمقة لدلالات ورهانات المؤتمر الوطني الاستثنائي للحزب، مستجليا أبعاده السياسية والتنظيمية التي تأتي في سياق وطني دقيق. كما يسلط الضوء على المنهجية التي اعتمدها الأحرار في تدبير هذه المحطة الانتقالية، وما تحمله من رسائل قوية تعكس نضجا مؤسساتيا ورهانا واضحا على الاستمرارية في مقدمة المشهد السياسي في المستقبل.

يقدم حزب التجمع الوطني للأحرار من خلال تدبيره السلس والرصين في مساره نحو المؤتمر الوطني الاستثنائي، المزمع عقده السبت المقبل بمدينة الجديدة، مجموعة من الرسائل والدلالات السياسية القوية والعميقة، التي تكسر الصورة النمطية السائدة في المشهد الحزبي ببلادنا، وتعكس مستوى عال من النضج التنظيمي والسياسي، بما يجعل من محطة المؤتمر القادمة تحمل مجموعة من الرهانات المتعددة.

ويتجلى هذا النضج المؤسساتي في تجسيد روح التوافق وتكريس الإرادة الجماعية في تدبير المرحلة، حيث يعكس منطق الاختيار الجماعي في تقديم خيار موحد، مستوى الوعي العالي بحجم الرهانات والاستحقاقات المقبلة، وحرص الأحرار على ترسيخ مسار واضح يراهن على مواصلة النهج ذاته الذي سار عليه الحزب خلال العشر سنوات الماضية.

قد لا يستوعب بعض المتابعين فلسفة هذا الاختيار الجماعي، وقد تجد الأبواق التي اعتادت استهداف التجمع الوطني للأحرار في هذا المعطى فرصة لانتقاد هذا التوجه، وهو ما ذهب إليه فعلا عدد منهم بالتشكيك في ما اعتبروه فرض مرشح واحد.

رغم أن تفنيد هذا التأويل لا يحتاج إلى كثير اجتهاد، إذ يستحيل منطقيا أن تمتنع عشرات القيادات الوطنية والجهوية، وأكثر من مئة برلماني، ومئات المنتخبين، عن الترشح طيلة سبعة عشر يوما، لولا وجود وعي وذكاء جماعي يقدر بأن المشروع الحزبي الذي أرساه عزيز أخنوش بات يتجاوز نقاش التنافس بين الأشخاص، ويستدعي تركيزا أكبر على التنافس في تنزيل هذا المشروع السياسي والتنموي الذي قطع أشواطا كبرى سواء في التدبير الحزبي أو التدبير الحكومي.

لذلك اتسم تدبير هذه المرحلة الانتقالية بهدوء ونضج مؤسساتي لافت، بعيدا عن المظاهر المألوفة في الحقل الحزبي، من قبيل اللقاءات المغلقة أو التكتلات الخفية أو الاتصالات الضاغطة الهادفة إلى التأثير على الأعضاء وترجيح كفة خيار على آخر، وهي ممارسات كان من شأنها التشويش على الحزب وإلهائه عن الرهانات المستقبلية التي تنتنظره في المرحلة المقبلة.

ومن اللافت أيضا في هذا المسار تسجيل عجز المتابعين والإعلاميين وعموم المهتمين بالشأن الحزبي عن استشراف اسم مرشح الحزب إلى غاية لحظة الإعلان الرسمي عنه، ما جعلهم يتخبطون في تداول مجموعة من الأسماء والسيناريوهات خلال فترة الترشيح.

ويكتسي هذا المعطى دلالة خاصة، بالنظر إلى ما اعتاده المشهد الحزبي ببلادنا من تسريب للمشاورات والقرارات أحيانا قبل استكمال الاجتماعات أو حسم النقاشات الداخلية. وهو ما يعكس درجة عالية من الانضباط التنظيمي والتحكم في القرار الحزبي، وقدرة قيادة الحزب على تدبير شؤونه الداخلية بعيدا عن منطق التسريبات والتكهنات، وهي المنهجية التي تربك المنافسين وتجعلهم عاجزين عن توقع السيناريوهات الممكنة.

وفي الاتجاه ذاته تميز تدبير الأحرار بعدم السقوط في منطق “الكوكتيل الجماعي” القائم على الترضيات وجبر الخواطر بين قيادات الحزب، رغم أن هذا الخيار كان يمكن أن يبدو مشروعا في مرحلة انتقالية فاصلة بين المؤتمر الوطني الاستثنائي والمؤتمر الوطني العادي الذي سيعقب الاستحقاقات الانتخابية، إلا أن الحزب اختار منطق الوضوح وتحمل المسؤولية السياسية عوض الحلول السهلة والترقيعية.

منير الأمني يكتب مسار الأحرار نحو المؤتمر الوطني الاستثنائي.. دلالات ورهانات

من جهة ثانية، يُجسد اختيار مرشح من الجيل الجديد دعامة إضافية لمسار التشبيب الذي كرسه عزيز أخنوش داخل الحزب عبر محطات واستحقاقات متعددة، وهو الخيار الذي منح الأحرار في السنوات الأخيرة نفسا شبابيا جديدا، في مجموعة من المؤسسات والهيئات، وأضفى على حضوره السياسي والتواصلي دينامية واضحة على مختلف الواجهات.

وفي السياق ذاته، جرى تكريس الشرعية التنظيمية عبر اختيار مرشح لرئاسة الحزب من داخل المكتب السياسي، راكم تجربة تنظيمية وسياسية وازنة، إذ تقلد محمد شوكي في مساره التنظيمي مسؤولية التنسيق الجهوي للحزب بجهة فاس مكناس، إلى جانب رئاسته للجنة المالية بمجلس النواب، ثم توليه رئاسة الفريق النيابي، ولا شك أن هذا الرصيد التراكمي، مقرونا بالكفاءة التدبيرية التي راكمها في مختلف مواقع متعددة، تجعله قادرا على تدبير الحزب، وضمان استمرارية توازنه التنظيمي، ومواكبة رهاناته السياسية في المرحلة المقبلة.

ليأتي هذا الاختيار من داخل البيت الحزبي خلافا للتوقعات التي راهنت على انتقال القيادة إلى كفاءات تكنوقراطية من خارج التنظيم، وهو ما يفند السرديات التي روج لها بعض المتابعين بخصوص فرضية التدخل في الشؤون التنظيمية للحزب أو توجيهه للعب أدوار ثانوية خلال المرحلة المقبلة.

هذا التوجه تكرسه أيضا الدينامية التواصلية المكثفة التي أطلقها محمد شوكي إلى جانب عدد من قيادات الحزب، والتي جابت مختلف جهات المملكة في فترة زمنية وجيزة قبيل المؤتمر، حيث تعبر هذه الدينامية عن اختيار سياسي ورسالة صريحة لكل من راهن أو تكهن بأن الأحرار مقبلون على مرحلة انكفاء أو لعب أدوار ثانوية، مفادها أن الحزب لا يزال يعتبر نفسه معنيا بالريادة، ومستمر في تعزيز ديناميته التواصلية التي كرسها خلال السنوات الماضية.

وبالموازاة مع هذه الدلائل المهمة والقوية لا بد من التوقف عند حالة الركود والانتظارية، التي سادت خلال المرحلة الفاصلة بين الإعلان عن المؤتمر الوطني الاستثنائي وتقديم مرشح الحزب، وهو ما يؤكد دون أدنى شك، أن التجمع الوطني للأحرار يبقى في الظرفية الراهنة الحزب الأكثر قدرة على المبادرة وخلق النقاش العمومي داخل الحقل السياسي.

وتبعا لذلك، يظل قادرا بقوة على ترسيخ موقعه في صدارة المشهد السياسي خلال المرحلة المقبلة، ليس فقط بفضل تماسكه وقوة بنائه التنظيمي الذي أرساه عزيز أخنوش بكفاءة واقتدار على مدى عشر سنوات، بل أيضا في ظل ضعف منافسيه وغياب مشروع سياسي بديل في المرحلة الحالية، وهي رسالة يصعب إنكارها أو تجاهلها أو القفز عليها مهما اختلفت زوايا التحليل والتقييم.

من المؤكد أن هذا المناخ الإيجابي وهذه الروح الجماعية لم يكونا وليدي الصدفة، بل ثمرة تدبير رصين وحكيم قاده عزيز أخنوش على امتداد عشر سنوات، مكنه من بناء حزب قوي ومتماسك، يستند إلى بنية تنظيمية متينة وممتدة عبر مختلف القطاعات والمجالات الترابية، ومنظومة اشتغال حديثة تضمن له الاستمرارية في مقدمة المشهد الحزبي والسياسي في المستقبل.

لذلك، فإن كل هذه الدلالات القوية التي قدمها التجمعيون خلال هذه المرحلة تؤكد أن الحزب يتجه نحو مؤتمره الوطني بروح مختلفة عما اعتادته مؤتمرات عدد من الأحزاب، من أجواء التوتر والصراعات الداخلية، مكرسا توجها جديدا يقوم على روح تجميعية عالية، ولحمة تنظيمية متماسكة وموحدة، للتنافس على تنزيل مشروع واضح أرسى معالمه بكفاءة واقتدار “الرئيس المجدد” عزيز أخنوش، الذي يستحق هذا الوسم وهذه الصفة إلى الأبد.

وبالتالي، فإن محطة المؤتمر الوطني الاستثنائي المقبلة لا يمكن اختزالها في كونها محطة تنظيمية فقط، بقدر ما تجسد لحظة سياسية هامة برهانات متعددة، تتمثل أولا في تجديد العهد الجماعي مع مشروع حزبي متكامل، قائم على نهج الإنجاز والنجاعة، بطموح واثق لمواصلة تكريس الريادة، وثانيا لتجديد الالتفاف حول حصيلة حكومية مشرفة، والدفاع عنها بكل ثقة ومسؤولية، في أفق مواكبتها بحصيلة حزبية تبرز وفاء الأحرار بالالتزامات الخمسة الأساسية، وثالثا للاستعداد للانخراط في مسار المستقبل الذي أبرز معالمه “الرئيس المجدد” في المجلس الوطني للحزب الأخير.

والأكيد أن الرهان على تصدر الاستحقاقات المقبلة يشكل المدخل الأساس لتنزيل هذا المسار المستقبلي، لمواصلة مسيرة الانتقال الاجتماعي والتحول الاقتصادي، لكن هذا التصدر يجسد في الآن ذاته عنوانا بارزا للاعتراف والإنصاف بالمجهودات الجبارة التي بذلها رجل دولة استثنائي، قدم ولا يزال يقدم الكثير لحزبه ولوطنه، وأرسى بقيادته مسارا سيظل مرجعا في البناء الحزبي والتدبير الحكومي المسؤول.

*منير الأمني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *