بينما تنقشع أعمدة الدخان فوق المجمع الرئاسي ومقار القيادة في طهران إثر الهجوم المشترك الأميركي والإسرائيلي غير المسبوق الذي استهدف قلب السلطة الإيرانية، يبرز اسم رجل واحد كعنوان عريض للمرحلة التاريخية التي عاشتها البلاد لأكثر من ثلاثة عقود وهو آية الله علي خامنئي.
منذ لحظة مبايعته مرشداً أعلى في يونيو 1989 وحتى التطورات الدراماتيكية الأخيرة بشأن مقتله في عملية “زئير الأسد”، ظل خامنئي المهندس الأول لسياسات إيران الداخلية والخارجية والرجل الذي لم يعرف الجيل الحالي من الإيرانيين حكماً غيره.
الصعود من الظل إلى سدة الولاية
لم يكن علي خامنئي المولود في مدينة مشهد عام 1939 المرشح الأبرز لخلافة مؤسس الجمهورية الإسلامية آية الله الخميني عند وفاته، إذ كان يُنظر إليه حينها كشخصية سياسية برزت خلال توليه رئاسة الجمهورية في الثمانينات أكثر منه مرجعاً دينياً رفيع المستوى.
إلا أن مجلس خبراء القيادة حسم الجدل في ذلك الوقت بتنصيبه مرشداً، ليبدأ خامنئي فوراً في بناء منظومة حكم فريدة استطاعت الجمع بين القداسة الدينية والسلطة العسكرية المطلقة من خلال تقوية نفوذ الحرس الثوري وجعله الذراع الضاربة للنظام في الداخل والخارج.
عقود من الصمود والصدام الإقليمي
اتسمت فترة حكمه التي امتدت من أواخر الثمانينات حتى عام 2026 بمرتكزات سياسية صلبة قامت على العداء المستحكم للغرب وصياغة عقيدة الصمود والمقاومة التي تعتبر التفاوض مع واشنطن فخاً للهيمنة الاستعمارية.
وبالتوازي مع هذا النهج، أشرف خامنئي شخصياً على تمدد أذرع إيران في المنطقة من خلال دعم فصائل حليفة في لبنان والعراق واليمن، مما حول إيران إلى لاعب إقليمي لا يمكن تجاوزه في أي معادلة دولية، فضلاً عن إصراره على تطوير البرنامج النووي الذي اعتبره حقاً وطنياً سيادياً رغم العقوبات الاقتصادية الخانقة التي كبلت معيشة الإيرانيين لسنوات طويلة.
2026 النهاية في عين العاصفة
تأتي التقارير الميدانية الحالية لتضع نهاية لهذه المسيرة الطويلة في تاريخ إيران الحديث، حيث أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالتنسيق مع القيادة الإسرائيلية أن الهجوم الجوي المكثف الذي استهدف مجمع القيادة في طهران صباح السبت قد أدى فعلياً إلى مقتل خامنئي وعدد من كبار القادة العسكريين.
ورغم محاولات الماكينة الإعلامية الرسمية في طهران إصدار بيانات تنفي هذه الأنباء وتؤكد أن المرشد في مكان آمن، إلا أن الصور المسربة وحالة الصمت المريب في الأروقة السياسية عززت من رواية السقوط التي طالما اعتبرها النظام خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه.
إيران ما بعد المرشد الثاني
بينما تشهد شوارع طهران والمدن الكبرى حالة من الذهول والترقب المشوب بالحذر، يبرز السؤال الوجودي حول هوية من سيخلف خامنئي في هذه الظروف الحرجة.
ورغم أن الدستور يضع السلطة مؤقتاً في يد مجلس قيادة جماعي، إلا أن غياب خليفة واضح ومعد سلفاً يضع النظام أمام أكبر اختبار بقاء منذ ثورة عام 1979، وسط تساؤلات دولية عما إذا كان رحيل خامنئي سيؤدي إلى انهيار منظومة ولاية الفقيه تماماً أو سيقود إلى مرحلة جديدة من الحكم العسكري المباشر تحت قيادة جنرالات الحرس الثوري.
إ. لكبيش / Le12.ma
