في خضم التوترات الجيوسياسية المتصاعدة في منطقة الخليج، عاد مضيق هرمز ليحتل موقعًا محوريًا في النقاشات الاقتصادية العالمية.

فالمضيق الذي يمر عبره جزء كبير من تجارة النفط العالمية لا يمثل فقط شريانًا حيويًا للطاقة، بل أصبح أيضًا نقطة حساسة في سلاسل الإمداد الصناعية، خاصة تلك المرتبطة بالكبريت، أحد أهم المدخلات الأساسية في صناعة الأسمدة.

ويكتسب هذا الموضوع أهمية خاصة بالنسبة للمغرب، الذي تشير معطيات البنك الدولي والتجارة الدولية إلى أنه يعد اليوم أكبر مستورد للكبريت في العالم.

وقد يبدو هذا الرقم للوهلة الأولى مفارقة اقتصادية، لكنه في الواقع يعكس المكانة الصناعية المتقدمة التي يحتلها المغرب في السوق العالمية للأسمدة الفوسفاتية.

فالمغرب، عبر مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط (OCP)، يعد من أكبر منتجي ومصدري الأسمدة الفوسفاتية في العالم.

غير أن تحويل الفوسفاط الخام إلى منتجات ذات قيمة مضافة عالية، مثل حمض الفوسفوريك والأسمدة المركبة، يتطلب استخدام حمض الكبريتيك، الذي يُنتج أساسًا من الكبريت.

لذلك فإن الطلب المغربي الكبير على الكبريت يرتبط مباشرة بحجم الإنتاج الصناعي للأسمدة، وليس بالاستهلاك الداخلي فقط.

من هذا المنطلق، فإن أي إضطراب في إمدادات الكبريت العالمية قد يثير تساؤلات حول تأثيره المحتمل على الإنتاج الصناعي بالمغرب.

ويبرز هنا ح إغلاق مضيق هرمز في حال تصاعد التوترات العسكرية في المنطقة، خاصة وأن جزءًا مهمًا من تجارة الكبريت العالمية يمر عبر دول الخليج.

لكن التحليل الاقتصادي الدقيق يقتضي التمييز بين التأثيرات القصيرة الأمد والتأثيرات الهيكلية طويلة الأمد.

في المدى القريب، من غير المرجح أن يؤدي أي اضطراب مؤقت في الملاحة عبر المضيق إلى توقف إنتاج الأسمدة في المغرب.

فالشركات الصناعية الكبرى، وعلى رأسها مجموعة OCP، تعتمد عادة على عقود توريد طويلة الأمد، كما تحرص على الاحتفاظ بمخزونات استراتيجية من المواد الأولية لتأمين استمرارية الإنتاج في حال حدوث اضطرابات ظرفية في الأسواق العالمية.

إضافة إلى ذلك، شهدت السنوات الأخيرة تحولًا مهمًا في خريطة موردي الكبريت للمغرب.

فبعد أن كانت دول الخليج، وعلى رأسها الإمارات العربية المتحدة والسعودية وقطر، تمثل المصدر الرئيسي للإمدادات، أصبح كازاخستان أحد أهم الموردين خلال السنوات الأخيرة، وهو ما يعكس توجهًا واضحًا نحو تنويع مصادر التوريد وتقليل المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بممرات الطاقة التقليدية.

غير أن إستمرار الأزمة لفترة طويلة قد يؤدي إلى تأثيرات غير مباشرة، خصوصًا من خلال ارتفاع تكاليف النقل البحري والتأمين وارتفاع أسعار الكبريت في الأسواق العالمية.

وفي هذه الحالة، قد ترتفع تكلفة إنتاج الأسمدة عالميًا، وهو ما قد ينعكس بدوره على أسعارها في الأسواق الدولية.

أما بالنسبة للقطاع الفلاحي في المغرب، فإن التأثير المباشر يبقى محدودًا في المدى القصير.

فجزء كبير من الأسمدة المنتجة في المغرب موجه أساسًا للتصدير نحو الأسواق العالمية، بينما يتم تزويد السوق الوطنية وفق سياسات دعم وتوزيع خاصة تهدف إلى ضمان استقرار الإنتاج الفلاحي.

لكن على المستوى العالمي، قد يكون لاضطراب إمدادات الكبريت أثر أوسع، نظراً للدور المحوري الذي تلعبه الأسمدة في الأمن الغذائي العالمي.

فارتفاع أسعار الأسمدة غالبًا ما ينعكس في نهاية المطاف على أسعار المواد الغذائية، وهو ما يجعل أي أزمة في سلاسل الإمداد الكيميائية العالمية ذات بعد يتجاوز قطاع الصناعة ليطال الاقتصاد العالمي ككل.

*إدريس الفينة – خبير اقتصادي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *