أسدل القضاء، ابتدائيًا، الستار على واحد من أكثر الملفات إثارة للجدل المرتبطة بتدبير المال العام بمدينة مراكش، بعد إدانة العمدة السابق محمد العربي بلقايد ونائبه السابق يونس بتسليمان، القياديين البارزين سابقًا في حزب العدالة والتنمية الذي كان يقود الحكومة آنذاك.

وحكمت غرفة الجنايات الابتدائية المختصة في جرائم الأموال بمحكمة الاستئناف بمراكش، صباح اليوم الجمعة، بسنتين سجنًا نافذًا لكل واحد منهما، وغرامة مالية قدرها 40 ألف درهم، مع الحكم عليهما بأداء غرامة تضامنية لفائدة الدولة بلغت حوالي أربعة ملايين درهم، وذلك على خلفية ملف الصفقات التفاوضية المرتبط بتنظيم مؤتمر المناخ “كوب 22”.

ويُنظر إلى هذا الحكم على نطاق واسع باعتباره ضربة جديدة لحزب العدالة والتنمية، خاصة أنه يأتي على بُعد أشهر قليلة من انتخابات 2026، ويُسقط، بحسب متابعين، ما تبقى من خطاب الحزب القائم على “نظافة اليد” ونفي تهم التلاعب في المال العام عن منتخبيه.

أول خروج إعلامي بعد الحكم

في أول خروج إعلامي له مباشرة بعد صدور الحكم، عبّر عبد الإله طاطوش، رئيس الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان والدفاع عن حماية المال العام، عن ارتياحه لمآل القضية، مؤكدًا أن الحكم يُكرّس مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة وعدم الإفلات من العقاب.

وأوضح طاطوش أن الجمعية كانت قد تقدّمت بشكاية إلى الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بمراكش في فبراير 2017، التمست فيها فتح بحث قضائي بخصوص الصفقات التفاوضية التي أبرمها المجلس الجماعي لمراكش خلال فترة تنظيم مؤتمر “كوب 22”.

خروقات وتبديد للمال العام

وأضاف المتحدث أن الوثائق التي كانت بحوزة الجمعية كشفت عن “مجموعة من الخروقات الخطيرة التي ترقى إلى تبديد المال العام”، مشيرًا إلى أنه جرى الاستماع إليه من طرف الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، كما تم الاستماع إلى المتهمين في الملف.

وبحسب طاطوش، فقد أحال الوكيل العام الملف على قاضي التحقيق مع ملتمس الإدانة من أجل تهم تبديد المال العام، قبل أن يُحال لاحقًا على غرفة الجنايات الابتدائية المكلفة بجرائم الأموال.

50 صفقة تفاوضية محل شك

وخلال أطوار المحاكمة، طالب دفاع المتهمين بإجراء خبرة على الوثائق المدلى بها، وهي الخبرة التي طعنت فيها كل من النيابة العامة والجمعية المشتكية، بعدما قدّمت هذه الأخيرة وثائق تُثبت وجود خروقات همّت حوالي 50 صفقة تفاوضية، لا تحترم العديد من الشروط منها شرطي الزمان والمكان.

كما قدّمت الجمعية محاضر محرّرة من طرف مفوض قضائي، أكدت أن عددًا من الصفقات تم تنفيذها بعد انتهاء فعاليات مؤتمر “كوب 22”، ما يطرح، حسب طاطوش، تساؤلات جدية حول أسباب اللجوء إلى الصفقات التفاوضية بدل فتح صفقات تنافسية وفق المساطر القانونية المعمول بها.

الاستمرار في الترافع

وختم رئيس الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان والدفاع عن حماية المال العام تصريحه للصحافة المحلية بالتأكيد على أن الجمعية “مرتاحـة لهذا الحكم”، مشددًا على أنه في حال الطعن فيه استئنافيًا، ستواصل الجمعية الترافع والدفاع عن الحقيقة، بما يضمن حماية المال العام وتكريس مبدأ المحاسبة.

*جلال حسناوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *