انطلق يومي الأحد والاثنين الماضيين، بمقر السفارة الامريكية في العاصمة الإسبانية مدريد، اللقاء الرسمي الاول بين الجزائر وموريتانيا والبوليساريو من جهة والمغرب من جهة ثانية، في إطار “مفاوضات متعددة الاطراف”، ترعاها الامم المتحدة وتديرها الولايات المتحدة الأمريكية، تنفيذا لقرار مجلس الامن، الخاص بنزاع الصحراء، تحت رقم 2797، الصادر في 31 أكتوبر 2025.

أجري اللقاء في غرفة مغلقة بعيدا عن وسائل الإعلام مع منع الأطراف المشاركة من الإدلاء بأي تصريح، تفاديا لأي تأويلات أو قراءات مضللة تخدم مصلحة هذا الطرف أو ذاك، وتعيق عمل الجهة المشرفة على وضع القرار الأممي رهن التطبيق.

خيمت تساؤلات كثيرة حول فحوى اللقاء وطرحت أسئلة وجيهة حول ما إذا كان الاجتماع بمقر السفارة الامريكية في مدريد، مفاوضات مفتوحة أم مجرد مباحثات تحت سقف مشروط؟ وهل كانت الجهة التي تدير اللقاء وسيطا بين الأطراف أم موجها لمجريات اللقاء؟.

قبل الجواب على هذه الأسئلة لا بد من الوقوف عند المكان الذي اختارته الولايات المتحدة، بصفتها الجهة المديرة لهذا اللقاء، وهو مقر سفارتها في العاصمة الإسبانية مدريد.

ويشكل هذا الاختيار في حد.ذاته رسالة مشفرة أرادت واشنطن توجيهها إلى من يهمه الأمر، ومفادها أن “الوصول إلى الحل يكون من المكان الذي انطلق منه المشكل”، وهو اسبانيا التي كانت تحتل الصحراء قبل ان تنسحب منها عام 1975 عقب مطالبة المغرب بها وإنهاء الاستعمار فيها بواسطة المسيرة الخضراء السلمية.

فيما يخص فحوى اللقاء، فهو لم يكن مفاوضات بهذا المعنى، وإنما كان دون ذلك، كان مجرد مباحثات بين جهتين، جهة يمثلها المغرب، وجهة تصطف فيها الجزائر وموريتانيا وجبهة البوليساريو.

قد يفكر البعض بأن هذا التقسيم بهذا الشكل غريبا، ولكنه كان واقعا حقيقيا داخل الغرفة التي جرى فيها اللقاء، ويعكس طبيعة المشكل على أرض الواقع، حيث المغرب متمسك بمغربية الصحراء في مواجهة الجزائر، التي تدعم الانفصال ضد وحدته الترابية، وتمسك بكافة خيوط جبهة البوليساريو، وتضغط في آن واحد بكل قوة على موريتانيا، التي بدورها لم تخف علاقاتها قط بالبوليساريو ولعبها دور الحياد بين الإيجابي والسلبي في آن واحد.

في هذا اللقاء جرت مباحثات تحت سقف مشروط بتطبيق القرار 2797، يتضمن إطلاع الاطراف المعنية بالنزاع، وهي الجزائر وموريتانيا وجبهة البوليساريو على مضمون مقترح الحكم الذاتي، الذي انطلق في 2007 باعتباره مبادرة مغربية وانتهى به الأمر في 2025 بصفته مشروعا أمميا مدعوما بقرار من مجلس الامن ويرمي إلى طي ملف نزاع الصحراء بشكل نهائي.

من جهة أخرى، لم تقم الولايات المتحدة الأمريكية بدور الوسيط، ولو أن هذا المصطلح استعمل لأغراض دبلوماسبة، ولكن واشنطن قامت هنا بدور الرئيس المدير للقاء.

سواء تعلق الأمر بالجزائر وجبهة البوليساريو أو موريتانيا، لم يسبق أن عبر أي منها عن موافقته على المقترح المغربي. ورغم تأكيد مجلس الأمن في قراراته السابقة على جدية ومصداقية المبادرة المغربية، إلا أن الجزائر وجبهة البوليساريو ظلتا ترفضانها، بينما لم تبد موريتانيا أي دعم صريح لها.

لكن داخل السفارة الأمريكية في مدريد، لم يكن من حديث سوى عن مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، تماما كما ورد في قرار مجلس الأمن رقم 2797. وأن النقاش المسموح به هو مباحثات تتعلق بالشكل وليس في المضمون، وتنصب فقط على المسائل التقنية المتصلة بالصلاحيات الممنوحة لأجهزة الحكم الذاتي المحلية.

بالنسبة للنظام الجزائري، لم يكن من السهل عليه تقبل ما يحصل، خاصة انه عبر منذ البداية عن رفضه للقرار 2797، بينما كان حاضرا في اجتماع مجلس الأمن، ولم يصوت ولم يعترض ولكنه انسحب.

أما بالنسبة لجبهة البوليساريو، فكانت الرسالة واضحة قبل ولوج باب السفارة الأمريكية في مدريد، حيث لم يسمح بوضع أعلام إلا الدول المعترف بها المغرب والجزائر وموريتانيا.

كما أن وجود الجزائر كطرف في النزاع حول البوليساريو من “طرف” إلى مجرد “موضوع”.

خارج القاعة التي احتضنت هذا اللقاء التاريخي، لم تخف الجزائر امتعاضها من المسار الذي بدأ نزاع الصحراء يسلكه بتوجيهات أمريكية صارمة.

لكن النظام الجزائري لم تبلغ به الشجاعة للتعبير عن رفضه للموقف الأمريكي كما فعل مع إسبانيا او فرنسا، لأنه يعرف العواقب الوخيمة.

من جهة أخرى، حاول النظام الجزائري تسويق افكار قال عنها إنها تصلح لتكون موضوع نقاش بشأن تطبيق قرار مجلس الامن الدولي 2797، من قبيل فكرة ا”قتسام فاتورة السلام” التي أوعز لجبهة البوليساريو بالحديث عنها، لكنها دون اي مضمون، كما أن الاجتماع في السفارة الأمريكية بمدريد لم يكن يرخص إلا للافكار المنصوص عليها في القرار الدولي المذكور، ودون تأويل أو تحريف.

ثمة مؤشرات توضح بجلاء انهيار الموقف الجزائري، وتؤكد أن اللقاء في السفارة الأمريكية في مدريد وضع حدا لمسلسل طويل من الادعاءات والمزاعم الباطلة، وذلك على النحو التالي:

1 – طالما رفضت الجزائر وجبهة البوليساريو المشاركة في الموائد المستديرة، التي دعت إليها قرارات مجلس الامن الدولي السابقة، ولكنهما الآن تشاركان رغما عنهما.

2 – طالما ادعت الجزائر انها ليست طرفا في النزاع حول الصحراء، وظلت تخادع المجتمع الدولي بينما على ارض الواقع هي من تدعم البوليساريو ماليا وعسكريا ودبلوماسبا وتتحكم في قراراته، سياسبا. ولكن هذه المرة تشارك في تنفيذ قرار مجلس الامن 2797 بصفتها طرفا رئيسيا في النزاع.

3 – طالما حاولت الجزائر ان تظهر بمظهر المنتصر المتحكم في قواعد اللعبة، وتصدر البلاغات على مقاس دعايتها، لكن هذه المرة تم إجبارها على الصمت، بينما عبرت عن خيبة الأمل برفضها حتى في التقاط صورة تذكارية جماعية من قلب السفارة الامريكية.

4 – في محاولة يائسة لصرف الانظار عما يجري بشأن نزاع الصحراء، حاول النظام الجزائري إشعال فتيل مواجهة مع المغرب في موضوع الحدود البرية. وهو ملف يثير مخاوفه التي لم يخفيها بدعم البوليساريو في الصحراء “الجنوبية” حتى لا يتفرغ المغرب للصحراء “الشرقية”.

5 – رغم تردد النظام الجزائري في الاعتراف بالمتغيرات التي قلبت كل الموازن لصالح المغرب بشأن نزاع الصحراء، إلا أن عدم تجرؤه على واشنطن يوحي بإمكانية إخضاعه للأمر الواقع في نهاية المطاف، وهو أمر يصعب على نظام بنى عقيدته على معاداة المغرب، واستثمر كل قدراته في استدامة الصراع.

*عبد الهادي مزراري-كاتب صحفي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *