ازداد ليل البيضاء سوادا هذه الأيام. لم تعد شوارع وأزقة عدد من الأحياء تنام على إيقاع الهدوء، بل تحولت مع حلول الليل إلى فضاءات مغلقة على الخوف، مفتوحة على الفوضى والعربدة، بعدما بسط منحرفون نفوذهم على عدد من المناطق، وحولوا التجمعات الليلية إلى مصدر رعب يومي يثقل حياة السكان.
كل ليلة، تتكرر المشاهد نفسها: مداخل عمارات تحتل، أبواب منازل تطوق، وزوايا معتمة تتحول إلى بؤر لتعاطي مختلف أنواع المخدرات، في عدد من الأحياء منها (آنفا والحي الحسني وعين السبع وغيرها).
صخب متواصل، عربدة بلا توقف، وليل يمتد إلى ساعات الفجر الأولى، في واقع بات مألوفا ومرفوضا في آن واحد، دون اكتراث براحة السكان أو أمنهم.
ولا تقف الصورة عند حدود الاستهلاك العلني للمخدرات.. حبوب مهلوسة، “بوفا”، وحشيش، وقنينات خمر، ومادة “الكوكايين”، تستهلك أمام أعين السكان والمارة، نساء وأطفالا، في مشاهد صادمة تفرض بالقوة، حيث يصبح الصمت خيارا قسريا، والخوف قانونا غير مكتوب، تحت تهديدات ووعيد بالانتقام لا يتردد هؤلاء المنحرفون في إشهاره في وجه كل من يجرؤ على الاعتراض.
الأخطر أن هذه المجموعات لم تعد تتحرك بشكل فردي أو عشوائي، بل في شكل جماعات منظمة أشبه بعصابات تجوب الأحياء على متن دراجات نارية، بسرعة جنونية وصخب مقلق، بعض أفرادها في حالات تخدير متقدمة حتى أثناء القيادة، في مشاهد تلامس حدود الانفلات الكامل.
وما شهدته منطقة مولاي رشيد، أخيرا، من اعتداء وحشي بالسلاح الأبيض، وما وقع، أول أمس، بحي طرابلس في درب السلطان من هجوم مماثل على شاب، ليس سوى انعكاس مباشر لتصاعد هذا العنف الليلي، حيث يجد المنحرفون في ساعات الظلام فضاء مفتوحا لتصفية سلوكهم الإجرامي بعيدا عن الأنظار.
اليوم، لم يعد الخوف مرتبطا بالضجيج أو الإزعاج فقط، بل بالليل نفسه. سكان عدد من أحياء الدار البيضاء باتوا يتعاملون مع الظلام كخطر قائم بذاته، يفرض عليهم العودة المبكرة إلى منازلهم، وكأن المدينة تغلق أبوابها قسرا مع حلول المساء.
وجولة قصيرة في أحياء العاصمة الاقتصادية، بما في ذلك الواقعة في المناطق الأكثر رواجها كحي المعاريف، تكفي لاكتشاف حجم التحول.
البيضاء بدأت تفقد وجهها الليلي تدريجيا تحت ضغط السلوكات الانحرافية التي باتت تسيطر على الأحياء، ما يطرح أسئلة مقلقة حول أمن الفضاء العام وصورة مدينة يفترض أن تظل نابضة بالحياة حتى آخر ساعات الليل، بعيدا عن “شوائب أمنية” تحولت، في كثير من الأحيان، إلى ممارسات إجرامية تمس بشكل مباشر الإحساس العام بالأمن.
عادل الشاوي/ Le12.ma
