بينما كانت الطائرات الحربية تنفذ ضربات مكثفة، كانت هناك حرب أخرى تشتعل في جيوب المليارات من البشر وهي حرب الشاشات.
لم تعد الصواريخ الباليستية هي السلاح الوحيد في المواجهة المباشرة التي اندلعت بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة وإيران من جهة أخرى، بل أصبحت الأخبار الزائفة والذكاء الاصطناعي التوليدي القوة الضاربة التي تسبق الانفجار وتتبعه في مشهد يخلط بين الواقع الميداني والوهم الرقمي.
ميدان المعركة الرقمي.. ما وراء الصواريخ
في الساعات الأولى من التصعيد امتد أزيز الطائرات ليشمل فضاء “تليغرام” ومنصة “إكس”، حيث رصد الخبراء موجة غير مسبوقة من التضليل المعلوماتي.
شمل ذلك انتشار مقاطع فيديو بتقنية التزييف العميق لمسؤولين إيرانيين يعلنون الاستسلام، وأخرى لمسؤولين إسرائيليين يتحدثون عن انهيارات داخلية، تبين لاحقاً أنها مولدة بالكامل عبر الذكاء الاصطناعي لإثارة الذعر.
كما تدفقت صور مفبركة أظهرت دماراً شاملاً في منشآت حيوية لدى الطرفين، كان الهدف الأساسي منها تحطيم الروح المعنوية للجبهات الداخلية وصناعة نصر زائف قبل انجلاء غبار المعركة الحقيقي.
كما حققت مقاطع فيديو مضللة ملايين المشاهدات، حيث تم تداول لقطات من ألعاب إلكترونية صُوّرت كضربات صاروخية إيرانية، إلى جانب صور مُنتجة بالذكاء الاصطناعي تزعم غرق سفن حربية أمريكية، من بينها حاملة الطائرات ‘أبراهام لينكولن’.”
المثلث الاستراتيجي.. واشنطن، طهران، تل أبيب
تعتمد القوى الثلاث استراتيجيات الحرب الهجينة التي تمزج بين الفعل العسكري والضغط النفسي المنظم.
فبينما تركز الرواية الإسرائيلية على دقة العمليات العسكرية وتحاول اختراق الوعي الإيراني برسائل تشجع على التغيير الداخلي، تشن إيران حرباً مضادة عبر شبكة واسعة من الحسابات الوهمية لنشر سردية المقاومة وإبراز الفشل الأمريكي في حماية القواعد العسكرية بالمنطقة.
وفي المقابل، تقود الولايات المتحدة حرباً استخباراتية إلكترونية تهدف لقطع الاتصالات وتزييف المعلومات العسكرية لإرباك أنظمة الدفاع الجوي الإيرانية، مما يجعل المعلومة سلاحاً لا يقل خطورة عن الرؤوس الحربية.
”الذكاء الاصطناعي” كوقود للتضليل
ما يميز صراع عام 2026 هو أن الأخبار الزائفة لم تعد مجرد إشاعات عابرة، بل أصبحت منتجات تقنية عالية الجودة يصعب كشفها.
ويرى المحللون أننا نعيش أول حرب ذكاء اصطناعي شاملة، حيث يمكن لخبر زائف واحد حول اغتيال زعيم أو سقوط طائرة استراتيجية أن يغير موازين القوى ويحرك أساطيل عسكرية في دقائق معدودة قبل أن تتمكن المكاتب الصحفية من التحقق والنفي، وهو ما يحول الفضاء الرقمي إلى حقل ألغام يصعب الملاحة فيه.
كيف تنجو الحقيقة وسط الغبار؟
في ظل هذا التلوث المعلوماتي، يصبح المواطن العادي هو الضحية الأولى والهدف الرئيسي لعمليات التضليل. ويشدد الخبراء على ضرورة التشكيك الفوري في أي محتوى بصري يظهر أحداثاً مفصلية دون استناد لمصادر رسمية أو وكالات أنباء دولية تمتلك فرقاً متخصصة في التحقق من المحتوى.
كما يؤكدون أن الأخبار الزائفة غالباً ما تبلغ ذروتها في لحظات التصعيد الميداني، مما يتطلب وعياً جمعياً لرفض الانجرار خلف الروايات التي تهدف لإثارة الهلع الجماعي أو تزييف الحقائق على الأرض.
إجراءات تقنية لمواجهة الفوضى
أعلنت منصة إكس أمس الثلاثاء أنها ستعلّق مشاركة صانعي المحتوى في برنامج تقاسم العائدات لمدة 90 يومًا إذا نشروا مقاطع عن نزاعات مسلحة مولَّدة بالذكاء الاصطناعي من دون الإفصاح عن كونها مصطنعة، ويستهدف هذا التعديل تهديد مصداقية المعلومات في خضم الحرب الجارية ضد إيران.
وقال رئيس قسم المنتجات في إكس نيكيتا بير إنه خلال أوقات الحرب من الضروري أن يتمكن الناس من الوصول إلى معلومات موثوقة من الميدان، مضيفًا أن تقنيات الذكاء الاصطناعي الحالية تجعل من السهل جدًا إنشاء محتوى مضلل.
ويمثل هذا التحول تغيراً ملحوظاً في نهج المنصة منذ استحواذ إيلون ماسك عليها، خاصة مع تصاعد حدة الصراع الإقليمي.
إدريس لكبيش/ Le12.ma
