قرار المحكمة الدستورية بشأن مشروع قانون إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة ليس مجرد “ملاحظة تقنية” على نص قانوني، بل هو تصحيح لمسار عبثي أدخل التنظيم الذاتي للصحافة إلى نفق مسدود منذ أكثر من عامين، وجرى الرهان عليه لحسابات ضيقة. وهو قرار من شأنه أن يعيد القائمين على إعداد مشروع القانون إلى جادة الصواب، والانتصار لمبدئي الاستقلالية والديمقراطية.

لقد تحول مشروع القانون، في صيغته التي جرى الدفع بها، إلى مأزق تشريعي حقيقي، لكونه امتدادا لقرارات حكومية سابقة: التمديد دون تنظيم الانتخابات، واحداث لجنة مؤقتة انتهت ولايتها القانونية في اكتوبر 2025. وهي ترتيبات استثنائية أزاحت مسار التنظيم الذاتي للصحافة في بلادنا، وأربكت المنظومة، وأنتجت اختلالات تناقض فلسفة التنظيم الذاتي نفسها.

ومن هذا المنطلق، فإن قرار المحكمة الدستورية يكرس معنى مهم: احترام الدستور شرط لبناء مؤسسات مهنية مستقلة.

ومن بين أبرز المقتضيات التي أسقطتها المحكمة لمخالفتها الدستور، منح الغلبة لفئة الناشرين، الذي كان يخل بمبدئي التوازن والتكافؤ بين مكونات المهنة، وهو ما قد يفضي إلى تفاهمات تخل بمصلحة الجمهور. هذا التوازن ليس تفصيلا، بل هو جوهر فكرة مجالس الصحافة في العالم: شراكة مهنية تضمن استقلال القرار وتحمي الأخلاقيات من الهيمنة. لذلك اعتبرت المحكمة الدستورية المادة 5 غير دستورية، حين أكدت أن الإخلال بقاعدة التساوي والتوازن بين تمثيل الصحافيين والناشرين يخل بالقواعد الديمقراطية المطلوبة في اشتغال المجلس واتخاذ قراراته.

وبالمنطق نفسه، كان يراد المساس بالتعددية، باعتبارها أحد المكتسبات المهمة في التاريخ السياسي الحديث للمغرب، من خلال تنصيص المادة 49 من مشروع القانون على منح منظمة مهنية واحدة للناشرين جميع المقاعد المخصصة لهم. غير أن المحكمة تصدت لهذا التوجه واعتبرت المادة مخالفة للدستور، بما يعيد الاعتبار للتعدد داخل الجسم المهني، ويرفض الاحتكار باسم “التمثيل”.

ومن القضايا اللافتة أيضا في قرار المحكمة الدستورية إسقاط ورقة “التمثيلية بالمال”. فقد اوقفت المحكمة منطقا كان يراد به ربط تمثيلية الناشرين داخل المجلس بحصص تحتسب وفق رقم المعاملات، وهو تصور غير مألوف في التجارب المقارنة عالميا، وكان من شأنه أن يكرس هيمنة المال على مجال يفترض أن يكون موجها لحماية الاخلاقيات وخدمة المهنة والصالح العام. وقد سقط هذا التوجه بفرض المحكمة لتمثيلية تعددية داخل صفوف الناشرين.

كما أسقطت المحكمة مقتضيات أخرى مرتبطة بالهندسة المؤسسية، من بينها ما يتعلق بعضوية رئيس لجنة الأخلاقيات في لجنة الاستئناف التاديبي (المادة 93)، وكذا الفقرة الاولى من المادة 57 المتعلقة بفرض تمثيل الجنسين في الرئاسة دون ضمانات إجرائية كافية، بما يعكس حرصا على وضوح القواعد وتماسك البناء المؤسساتي.

خلاصة الأمر أن اسقاط المحكمة الدستورية خمسة مواد من قانون إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة لا ينبغي أن يقرأ كانتصار لجهة على أخرى، بل كتمرين ديمقراطي يهم الجميع، ورسالة مفادها ان التنظيم الذاتي لا يبنى بمنطق الغلبة ولا بالترتيبات الاستثنائية، بل بالتوافق المهني، وبالاستقلالية، وبقواعد ديمقراطية واضحة ومتوازنة.

واليوم، يوفر هذا القرار فرصة حقيقية لتصحيح الوضع، وإطلاق حوار مهني جدي، وإخراج مجلس وطني للصحافة مستقل يضطلع بأدوار الدفاع عن الأخلاقيات وتنظيم القطاع… ونحن في أمس الحاجة إلى ذلك.

 

محمد كريم بوخصاص-جامعي وصحفي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *