يفترض في التعليق الرياضي أن يكون فعلا إعلاميا محكوما بالحياد والدقة، وأن ينهض بوظيفة تفسير مجريات اللعب وتقديم مفاتيح الفهم للجمهور، بعيدا عن الإسقاطات الذاتية أو التوظيفات الخارجة عن سياق المباراة.
غير أن تتبع خطاب المعلق الرياضي الجزائري حفيظ دراجي يكشف، في مناسبات عديدة، عن انزلاق واضح عنا هذه القاعدة المهنية، حيث لا يكتفي بنقل الحدث، بل يقحم نفسه في معطيات غير دقيقة، وأحيانا مغلوطة، لا تخدم التحليل ولا تضيف قيمة معرفية للمشاهد.
هذا الخلل لا يظهر بشكل عرضي، بل يتكرر بوصفه نمطا ثابتا في التعليق، ويتجلى أساسا في الحضور الطاغي للذات الوطنية الجزائرية، حتى في مباريات لا تجمع الجزائر طرفا فيها. وبهذا السلوك يتحول التعليق من وسيط محايد إلى خطاب متمركز حول الذات، يعيد توجيه السرد الرياضي لخدمة تموقع رمزي ضيق، ما يربك المتلقي ويفقد التعليق أحد أهم مقوماته، وهي الثقة.
ويتخذ هذا الانزلاق بعدا أكثر دلالة حين نلاحظ ما يمكن تسميته بالصمت الانتقائي. ففي المباراة الأخيرة بين الجزائر وجمهورية الكونغو الديمقراطية، ظهرت على البث المباشر صورة المدرب المغربي محمد وهبي، المتوج بكأس العالم لأقل من عشرين سنة، واستمرت اللقطة قرابة ثماني ثوان.
هذا الحضور البصري الواضح قابله صمت كامل من طرف المعلق دون أي تعليق أو إشارة، في حين أن القاعدة المهنية تقتضي التعريف بالإنجاز والإشادة به بغض النظر عن الانتماءات. هنا يصبح الصمت في حد ذاته خطابا لا يقل دلالة عن الكلام، ويعكس اختيارا تحريريا واعيا يقوم على الإقصاء لا على الحياد.
ويتعمق هذا الخلل أكثر عندما يغادر التعليق مجاله الطبيعي لينزلق إلى معطيات هامشية لا علاقة لها بالمباراة أو بسياقها، من قبيل الحديث عن الصيدليات في المغرب وكيفية اشتغالها.
وهي معطيات لا تندرج في أي إطار تحليلي رياضي، بل تمثل تشويشا معرفيا يقطع انسجام السرد، ويحول التعليق إلى منصة لإدراج أحكام عامة لا سند لها.
وينسحب الأمر نفسه على توصيف عشب ملعب مولاي الحسن بكونه يشتغل بتقنية الذكاء الاصطناعي لأنه يتخلص من مياه الأمطار بسرعة قياسية، بدل تقديم شرح تقني بسيط يتعلق بأنظمة التصريف والصيانة المعتمدة وفق المعايير الدولية.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل يمتد إلى مستوى اللغة والدقة الاسمية، حيث يلاحظ تعمد عدم نطق الأسماء الرسمية للملاعب المغربية، مثل ملعب مولاي الحسن أو ملعب مولاي عبد الله. والاسم هنا ليس تفصيلا شكليا، بل هو هوية ورمز ومكون أساسي من احترام المكان والتاريخ. إن تغييب الاسم أو تحريفه ينتج محوا رمزيا لا ينسجم مع أخلاقيات المهنة، ولا مع الحد الأدنى من الدقة الصحفية.
ويسجل أيضا غياب شبه تام للإشادة بتنظيم المغرب الجيد لكأس إفريقيا للأمم، رغم ما يحظى به من اعتراف واسع من المتتبعين والهيئات الكروية.
فبدل تقديم معطيات محينة ودقيقة حول البنية التحتية، والجوانب اللوجستية، والمعايير التنظيمية، يتم تجاوز هذه الوقائع وكأنها غير موجودة في السرد. وهذا التجاهل لا يمكن قراءته بوصفه موقفا نقديا مبنيا على تقييم موضوعي، بل باعتباره جزءا من انتقائية خطابية تختار ما يقال وما يسكت عنه.
وفي الخاتمة، لا يمكن تجاهل أن حفيظ دراجي، الواصف الجزائري الذي تابعته أجيال من المشاهدين من خلال برنامج ملاعب العالم على القناة الجزائرية الأولى، لم يعد ذلك المعلق الموضوعي الذي ارتبط اسمه يوما بالتوازن والرصانة وسعة الاطلاع.
فقد قاده إقحام الذات، والانزلاق نحو متاهات سياسية بعيدة عن جوهر الرياضة، إلى الابتعاد عن الحياد الرياضي الوازن الذي يشكل جوهر مهنة التعليق وقاعدتها الأخلاقية.
وبين ماض مهني كان فيه الصوت جسرا للفهم، وحاضر يطغى فيه التموضع والتأويل الانتقائي، تتأكد الحاجة اليوم إلى استعادة معنى التعليق بوصفه خدمة للجمهور، لا منصة لتصفية الحسابات الرمزية، حتى لا يفقد الواصف ما تبقى من رصيده لدى متلق يبحث، قبل كل شيء، عن الحقيقة الرياضية مجردة من الضجيج.
جواد التويول-صحفي مغربي
