​بين لغة الأرقام الرسمية وواقع “الكونتور” في شوارع المدن المغربية، تبرز فجوة عميقة باتت تؤرق يوميات المواطنين.

فبالرغم من استمرار الحكومة في ضخ دفعات الدعم الاستثنائي لمهنيي نقل الركاب بهدف كبح جماح التضخم الناجم عن تقلبات أسعار المحروقات، إلا أن الواقع الميداني يسير في اتجاه معاكس تماماً، حيث يجد المواطن نفسه وجهاً لوجه أمام زيادات في التعريفة وصفت بـ “العشوائية وغير المبررة”.

​في جولة بسيطة عبر الحواضر الكبرى، يظهر جلياً أن تسعيرة النقل الحضري لم تعد تخضع للمنطق القانوني بقدر ما تخضع لمنطق “الأمر الواقع”.

ففي بعض المدن، قفزت التسعيرة من 5 إلى 7 دراهم، وهي زيادة وإن بدت بسيطة في رقمها، إلا أنها تمثل عبئاً ثقيلاً على الموظفين والعمال والطلبة الذين يعتمدون على سيارات الأجرة بشكل يومي.

هذا الارتفاع يطرح علامات استفهام كبرى حول جدوى الدعم العمومي إذا لم ينعكس أثره بشكل مباشر على جيب المستهلك النهائي، الذي يظل الحلقة الأضعف في هذه المعادلة المعقدة.

​وعند مساءلة المهنيين عن دوافع هذه القفزات السعرية، تبرز مبررات تتأرجح بين غلاء قطع الغيار وتكاليف الصيانة الدورية التي لم يشملها الدعم.

غير أن النقطة الأكثر إثارة للجدل تكمن في “بنية القطاع” نفسه، حيث يؤكد العديد من السائقين المهنيين أن الدعم المالي لا يجد طريقه دائماً إلى جيوبهم، بل يظل حبيس حسابات مالكي الرخص “المأذونيات”.

هذا الاختلال البنيوي يجعل السائق الممارس تحت ضغط مالي يدفع به، في كثير من الأحيان، إلى تعويض الفارق من خلال فرض زيادات غير قانونية على الركاب.

​ولا يقتصر الأمر على النقل الحضري، بل يمتد إلى “الطاكسيات الكبيرة” والنقل بين المدن، حيث سجلت بعض الخطوط زيادات استثنائية ظلت صامدة حتى بعد استقرار أسعار الوقود نسبياً أو صرف دفعات الدعم.

هذا الاستمرار في “التحايل” على التسعيرة الرسمية يكشف عن ضعف واضح في آليات المراقبة والزجر، ويحول قطاع النقل إلى مجال يسوده منطق “الانفلات” الذي يغيب فيه التوازن بين مصلحة المهني وحقوق المواطن.

​إن الوضعية الراهنة تكشف عن اختلالات هيكلية تتجاوز مجرد تقلبات أسعار المحروقات، فهي تعكس غياب آليات واضحة لضبط الأسعار وتفاوت العرض والطلب بين المدن.

وأمام هذا المشهد الضبابي، بات من الضروري ربط الاستفادة من الدعم الحكومي بمدى الالتزام الصارم بالتعريفة القانونية، مع تفعيل دور لجان المراقبة الإقليمية للضرب بيد من حديد على كل من يحاول استغلال الوضع المأزوم لمضاعفة أرباحه على حساب القدرة الشرائية للمغاربة.

​إن حماية المواطن من التغول السعري ليست ترفاً، بل هي ضرورة لضمان السلم الاجتماعي واستعادة الثقة في التدابير الحكومية، فالدعم الذي لا يحمي المستهلك هو دعم تائه في ردهات الإدارة، لا يصل أثره إلى من يستحقه فعلاً في عمق الشارع المغربي.

إ. لكبيش / Le12.ma

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *