منذ صافرة البداية لأولى مباريات المنتخب المغربي في نهائيات كأس أمم إفريقيا، برز خطاب إعلامي لافت يتجاوز حدود التحليل الرياضي الطبيعي ويتجه نحو التشكيك الممنهج واتهام النوايا.
لم يعد النقاش محصورًا في لقطة تحكيمية أو قرار تقني، بل تطور إلى حديث مريب عن مؤامرات وتحكم في تقنية “الفار” وشراء ذمم الحكام، وكأن مسار البطولة يُدار بالكامل من خلف الستار لصالح طرف بعينه دون غيره.
الكيل بمكيالين ولماذا المغرب تحديدًا؟
لقد رافقت أخطاء التحكيم معظم مباريات البطولة واستفادت منها منتخبات عريقة مثل مصر وتونس والجزائر في شكل ركلات جزاء أو قرارات مثيرة للجدل، إلا أن المثير للانتباه هو أن التركيز الإعلامي المكثف لم يُسلَّط إلا على الحالات المرتبطة بالمغرب.
هذا الانتقاء في التناول يطرح سؤالاً مشروعاً حول الأسباب الكامنة وراء تحويل كل لقطة في مباريات المغرب إلى قضية رأي عام، بينما تمر أخطاء أكثر وضوحاً في مباريات أخرى دون ضجيج مماثل، وهو ما يعكس ازدواجية واضحة في المعايير الإعلامية المتبعة.
من الملعب إلى الفتنة وخطر “أم درمان”
إن ما يثير الغضب الحقيقي ليس الاختلاف الرياضي المشروع، بل القفز السريع نحو اتهام المغرب بـ “الكولسة” والتخطيط للفوز باللقب عبر التحكيم دون امتلاك أي دليل أو قرينة.
هذا الأسلوب لم يعد نقاشاً كروياً بل أصبح اتهاماً خطيراً يمس صورة بلد ومنتخب ويضرب في نزاهة المؤسسة القارية.
والتاريخ القريب يذكرنا بأن التحريض الإعلامي ليس أمراً بريئاً، وما حدث في “موقعة أم درمان” بين مصر والجزائر لا يزال شاهداً على خطورة تأجيج الجماهير وتغذية خطاب الكراهية حين تتحول الكرة إلى فتنة تمتد آثارها إلى خارج الملاعب.
استراتيجية الضغط النفسي وتشويه الخصوم
يبدو أن استحضار لغة المؤامرة يخدم أهدافاً غير معلنة تتمثل في ممارسة ضغط نفسي هائل على الحكام لجعلهم مترددين في احتساب أي قرار لصالح المغرب مستقبلاً، بالإضافة إلى التأثير على معنويات الخصوم وتشويه صورة المنتخب المغربي قبل مواجهاته.
ورغم أن هذا الأسلوب قد يبدو فعالاً للبعض على المدى القصير، إلا أنه يضر بصورة الكرة الإفريقية بشكل عام ويقوض الثقة في عدالة المنافسة القارية، مما يجعل من الضروري التوقف عن هذا المسار الخطير والعودة إلى النقاش المهني الهادئ.
التمسك بقيم الروح الرياضية
في الختام يبقى الخلاف حول التحكيم حقاً مكفولاً للجميع، لكن تحويل كل قرار يخص المغرب إلى مؤامرة هو تجاوز للحدود الرياضية والأخلاقية.
المغاربة لم يغضبوا بسبب اختلاف في وجهات النظر حول ركلة جزاء، بل لأن هذا الاختلاف تحول إلى اتهام مجاني يمس بلداً بأكمله في تناقض صارخ مع قيم الاحترام المتبادل.
كرة القدم يجب أن تبقى دائماً مجالاً للتنافس الشريف ومنصة للتقارب بين الشعوب، لا وسيلة لتصفية الحسابات الضيقة ونشر الادعاءات التي لا أساس لها من الصحة.
إ. لكبيش / Le12.ma
