إن اكتشاف اختلال محتمل لا يفرض إدانة أحد، لكنه يفرض التعامل معه بجدية. والصمت لا يعوّض التحقيق، وتغيير الوزير لا يعوّض تقديم الأجوبة.
لكن ما الذي يجعل الصمت يستمر؟ هل يتعلق الأمر بانتماء الوزير الجديد إلى الأغلبية نفسها التي ينتمي إليها سلفه؟.
وهل تؤثر الحسابات الحزبية والتوازنات الحكومية في طريقة التعامل مع حصيلة المرحلة السابقة؟ .
أم أن فتح ملفات التدبير السابق قد يثير أسئلة تتجاوز شخص الوزير إلى القرارات التي اتُّخذت، والجهات التي شاركت في صنعها أو دعمتها؟.
*حنان فطراس
في المغرب، تجري مراسم تسليم السلط بين الوزراء وسط العناق والابتسامات وتبادل عبارات المجاملة، وتُلتقط الصور لتوثيق انتقال المسؤولية من يد إلى أخرى. ينتهي المشهد في أجواء احتفالية، لكن ما لا يظهر في الصور أهمّ مما يظهر فيها: حصيلة التدبير السابق، ومصير الملفات العالقة، والمشاريع المتعثرة، وملاحظات أجهزة الرقابة التي قد تظلّ من دون معالجة.
تُسلَّم المفاتيح في دقائق، لكن الملفات لا تُطوى بمجرد مغادرة أصحابها مكاتبهم. فانتقال المسؤولية ينبغي ألا يتحوّل إلى فرصة لتجاوز ما لم يُنجز، أو تأجيل الأجوبة عن الاختلالات التي تستوجب التوضيح.
المطلوب ليس إصدار أحكام مسبقة على الوزراء، ولا اعتبار كل تعثر دليلاً على وجود مخالفة، بل التمييز بين حصيلة لم تحقق أهدافها، واختلالات تستوجب التوضيح، ومخالفات قد تترتب عنها مسؤوليات قانونية.
فلكل حالة مسارها، لكن لا شيء يبرر أن تبقى الملفات معلّقة من دون جواب واضح.
إن اكتشاف اختلال محتمل لا يفرض إدانة أحد، لكنه يفرض التعامل معه بجدية. والصمت لا يعوّض التحقيق، وتغيير الوزير لا يعوّض تقديم الأجوبة.
لكن ما الذي يجعل الصمت يستمر؟ هل يتعلق الأمر بانتماء الوزير الجديد إلى الأغلبية نفسها التي ينتمي إليها سلفه؟.
وهل تؤثر الحسابات الحزبية والتوازنات الحكومية في طريقة التعامل مع حصيلة المرحلة السابقة؟ .
أم أن فتح ملفات التدبير السابق قد يثير أسئلة تتجاوز شخص الوزير إلى القرارات التي اتُّخذت، والجهات التي شاركت في صنعها أو دعمتها؟.
هذه احتمالات تستوجب التحقق، لا أحكاماً جاهزة.
لكنها تضع المسؤولية السياسية أمام اختبار واضح: هل تُقدَّم الحقيقة والمصلحة العامة على الحسابات الحزبية، أم تتحول التوازنات الحكومية إلى مظلة تؤجّل فتح الملفات وتُبقي الأجوبة معلّقة؟.
فإذا كانت المسؤولية الحكومية مشتركة في إطار الأغلبية، فلا ينبغي أن تتحول هذه الشراكة إلى سبب لتأجيل المساءلة أو تفاديها.
فالتضامن الحكومي لا يعني إغلاق الملفات، كما أن الانتماء إلى الأغلبية لا ينبغي أن يحجب حق المواطن في معرفة ما أُنجز، وما تعثر، وما اتُّخذ بشأن الاختلالات المثبتة، ومن يتحمل المسؤولية وفق القانون.
أما إذا استمرّ الوزير في منصبه، فالتقييم لا يبدأ من الصفر، بل ينطلق من الحصيلة التراكمية لما أنجزه وما أخفق فيه، وما عالجه من اختلالات وما تركه عالقاً.
فتجديد الثقة السياسية لا يمحو سجلّ التدبير السابق، والولاية الجديدة لا تعفي من حساب حصيلة الولاية السابقة. فالمناصب تتجدد، لكن الحصيلة لا تُمحى.
وهنا تبرز أهمية التقارير الرقابية وتوصياتها. فما جدوى تسجيل الملاحظات إذا لم تُتابَع؟ وما قيمة التوصيات إذا لم يُكشف عن الإجراءات المتخذة بشأنها؟.
وهل يعرف الرأي العام ما الذي نُفّذ وما الذي ظلّ عالقاً، وما أسباب التأخير أو الاختلال، في حدود ما تثبته الوثائق والقواعد القانونية؟.
الفصل 93 من الدستور يحمّل الوزراء مسؤولية تنفيذ السياسة الحكومية، كلٌّ في القطاع المكلّف به، وفي إطار التضامن الحكومي.
أما الفصل 94، فيتعلق بمسؤوليتهم الجنائية عن الجنايات والجنح المرتكبة أثناء ممارسة مهامهم.
ويكرّس القانون التنظيمي رقم 065.13، في مادته الثالثة، مبادئ المسؤولية والتنسيق والتتبع والمواكبة والتقييم والتضامن الحكومي والتكامل في المبادرة.
وتمنح هذه المقتضيات أساساً قانونياً للحديث عن مسؤولية التدبير وتتبع الأداء، مع التمييز بين التقييم السياسي للحصيلة، والمساءلة عن الاختلالات، والمسؤولية الجنائية التي لا تقوم إلا وفق شروطها القانونية.
هذه المقتضيات ليست مجرد نصوص تُستحضر عند الحديث عن اختصاصات الوزراء؛ بل تؤكد أهمية ربط تدبير الشأن العام بالمسؤولية، وتتبع النتائج، واحترام القانون وضمانات الإنصاف.
فالمساءلة لا تعني الإدانة المسبقة، وإنما تعني ألا تبقى الاختلالات المثبتة من دون معالجة، وألا تتحول الملفات المفتوحة إلى إرث ينتقل من وزير إلى آخر من غير حسم.
فلا معنى لدولة تُحاسب المواطن على واجباته، ثم تترك تدبير الشأن العام من دون تتبّع واضح للمسؤوليات.
ولا تستقيم دولة المؤسسات إذا كان انتقال السلطة منظّماً، بينما يظلّ مصير الملفات والقرارات والالتزامات غامضاً.
*برلمانية سابقة وكاتبة سياسية
