من هنا يصبح لزاما على المغاربة دولة وشعبا التقاط هذه الإشارات التي جاءت بها تظاهرة كأس أمم أفريقيا وقرائتها بوعي وهدوء، بعيداً عن حسن النوايا المفرطة.
في العلاقات الدولية لاتقاس مكانة الدول فقط فيما تعلنه من مواقف رسمية، بل بما يصدر من سلوك نخبها و تصريحات مسؤوليها في مجالات تبدو عابرة ككرة القدم ، فالأحداث الرمزية غالبا ماتكون مرآة صادقة لما يختزن في العمق من تصورات ومشاعر.
لقد كشفت بعض المواقف والسلوكيات السلبية، تجاه المغرب والمغاربة، التي صدرت عن جماهير ونخب دول توصف بالشقيقة والصديقة خلال بطولة كأس إفريقيا التي نظمتها بلادنا عن حقد دفين وانزعاج واضح من نجاح المغرب سواء على مستوى التنظيم والضيافة، أو على مستوى التطور العام للبلاد.
وهي سلوكيات لايمكن عزلها عن سياق العلاقات الدولية، لأنها تعكس خللا في النوايا أكثر مما تعكس تمظهرات تنافس رياضي حاد.
من هنا يصبح لزاما على المغاربة دولة وشعبا التقاط هذه الإشارات وقرائتها بوعي وهدوء، بعيداً عن حسن النوايا المفرطة.
إن العلاقات الخارجية للدول لاتبنى على الشعارات وحدها بل على المصالح وعلى الفهم الدقيق لمواقع الأشقاء والأصدقاء قبل الخصوم.
فبعيدا عن خطاب رئيس السينغال المليء بالإطراء الزائف على المغرب بمناسبة فوز بلاده بكأس قارية، جندت من أجل الحصول عليها صعاليك الإنس والجن، فقد أبانت بالموازات تصرفات مسؤولي وجماهير الكرة السينغالية، سواء بمدرجات الملعب أو بشوارع دكار ومدن أخرى عن قدر كبير من الغل تجاه بلد لطالما اعتبر قبلة حجهم الثانية، مثلما اعتبر المغاربة دائما بلاد السينغال دارهم الباقية.
تصرفات سلبية درجة بث صورة لخريطة مبتورة للمملكة على قناة السينغال الخامسة، هكذا بكل جرأة.
من منا لا يتذكر خطاب الملك محمد السادس بمناسبة الذكرى الإحدى والأربعين للمسيرة الخضراء الذي توجه به إلى شعبه من دكار حيث كان في زيارة رسمية للسينغال، في إشارة رمزية لوحدة القضايا الوطنية، والتاريخ والمصير المشترك بين البلدين، منذ عهد الأباء الأوائل للإستقلال، من محمد الخامس والحسن الثاني وليوبولد سيدا سنگور، وعبدو ضيوف، إلى آخر تنهيدة مناجات الله بضريح سيدي أحمد التيجاني بفاس أو تضرع للخالق في محراب مسجد محمد السادس بدكار.
لهذا ظل المغاربة دائما أوفياء لتمغربيتهم، لا يميزون في تعاونهم بين شعب وٱخر و دولة وأخرى إلا عندما تمس مصالحهم ومشاعرهم في جوهرها أو أن يستهدف ثابتهم الأسمى .
إن إعادة قراءة شبكة العلاقات الخارجية على ضوء هذه المؤشرات، لم تعد خيارا، بل ضرورة، على أن تكون المصلحة الوطنية للمغرب هي البوصلة الأولى والأخيرة دون أوهام، ودون انتظار ود شقيق غالبا لايأتي إلا مقترنا بالنفاق والإبتزاز.
بتنظيمه لبطولة كأس إفريقيا، يبدو أن المغرب نجح أكثر مما ينبغي رغم أنه لم يطلب بيانات دعم ولا تصفيفات من أحد. كل ما فعله أنه اشتغل، والعمل كما يبدو أكثر ما يزعج الذين اعتادوا استهلاك السعرات الحرارية في الكلام لا في الإنجاز .
*حميد غونو – كاتب صحفي
