خلال الساعات التي تلت حفل تكريم الناخب الوطني السابق، السيد وليد الركراكي، وتعيين خلفه السيد محمد وهبي، فاجأتني الكثير من التعليقات على وسائل التواصل الاجتماعي، والتي تضمنت العديد من المغالطات، من قبيل أن الجو كان مشحوناً خلال الحفل، وأن السيد لقجع أساء معاملة الركراكي، وأن هذا الأخير أظهر شخصية قوية حينما رفض أن ينضم للسيد لقجع لتقديم مشعل الخلافة للناخب الوطني الجديد السيد وهبي.
بما أنني كنت، بالصدفة، في الرباط، وتلقيت دعوة لحضور هذا الحفل، ومن باب النزاهة ولوضع الأمور في سياقها الصحيح، والله عليّ شهيد في هذا اليوم المبارك وهذا الشهر الفضيل، أود الإشارة إلى ما يلي:
أولاً: الجو لم يكن مشحوناً على الإطلاق. فقد تحدث السيد لقجع في خطابه بكل احترام وتقدير تجاه السيد الركراكي، وتطرق إلى تأثيره الإيجابي في تطور الكرة المغربية والدور المحوري الذي لعبه في رفع سقف تطلعات الشعب المغربي. ولم تتضمن كلمته أي شيء على الإطلاق يوحي بأن الجو كان مشحوناً.
ثانياً: ما فعله السيد الركراكي حينما رفض الصعود إلى المنصة لتسليم مشعل الناخب الوطني لخلفه لا يُظهر أي شخصية قوية، بل يظهر أنانيةً وتضخماً في الذات، وشيئاً من الغرور وقلة الاحترام تجاه الشخص الذي وضع فيه الثقة في البداية، وخوّل له جميع الصلاحيات ومكّنه من التوفر على كل الإمكانيات للاشتغال في أحسن الظروف.
السيد لقجع تصرف بالعفوية التي كان يمكن أن يتصرف بها أي مغربي قُحّ. لم يكن مجبراً على أن يطلب من السيد وليد الصعود إلى المنصة من أجل تسليم المشعل لخلفه السيد وهبي. كل ما فعله السيد لقجع أنه، كما نقول، “بغى يكبّر” بالسيد الركراكي. ولكن عوض أن يقبل هذا الأخير المجاملة ويطبق المثل المغربي الذي يقول: “تهلّى فالكبيرة ولو تكون مزاح”، تصرف بقلة احترام تجاهه وتجاه السيد وهبي وكل الحاضرين في القاعة، وأنا كنت من بينهم.
من جهة أخرى، ركز البعض على قرار الركراكي مغادرة القاعة في الوقت الذي بدأ فيه السيد وهبي الإجابة عن أسئلة الصحفيين، ليقولوا إن هذا دليل على أن الجو كان مشحوناً. وهذا إسقاط فيه الكثير من التضليل. وإذا غادر الركراكي القاعة في الوقت الذي بدأ فيه السيد وهبي الرد على أسئلة الصحفيين، فذلك يُعاب عليه وليس على رئيس الجامعة، التي قامت بما يلزم تجاهه لكي تمر عملية انتقال “السلطة” بشكل سلس وبما يحترم رصيد الركراكي مع المنتخب.
ما قام به الركراكي هو تقليل من قيمته، لأنك حينما لا تحترم زميلاً لك فإنك لا تحترم نفسك. كان بإمكانه أن يظهر شيئاً من الاحترام لخليفته ولمشرفه السابق. غير أن السيد الركراكي فضل أن يظل وفياً لغروره، الذي تسبب له في السقوط بشكل ذريع بعدما كان قد وصل إلى القمة بسرعة البرق.
مع الأسف، تحول الناخب السابق الركراكي من رمز للنجاح والنبوغ المغربي إلى عبرة لكل من يتملكه الغرور والإحساس بالتفوق حينما يحقق نجاحاً أو إنجازاً ما. وهنا أذكر مثلاً مغربياً قديماً كان يردده لنا الوالد، رحمه الله، كثيراً حتى نتجنب الغرور:
في قديم الزمن، في كل مرة كان يحاول أحد قُيّاد المدينة امتطاء جواده، كان المُستخدم الذي كان يساعده على امتطائه يدعو له قائلاً: “وا سي القايد، الله يطلع درجتك على خير”، ليرد عليه القائد قائلاً: “دابا الطلوع راه طلعنا، دعي معايا الله يهبطها على خير.”
على كل شخص حقق أي نجاح في حياته أن يستخلص العبر من هذا المثل، وأن يعلم أن لكل بداية نهاية، وأن يدعو الله أن تكون رحلة الهبوط إلى السفح سهلة بعد مرحلة الصعود إلى القمة. وهذا، مع الأسف، هو الشيء الذي لم يطبقه السيد الركراكي طوال مشواره مع المنتخب، والذي دفع بسببه المغاربة الثمن غالياً وهم يرون بلادهم تخسر لقباً كان في المتناول لو أن الناخب السابق تخلص من غروره.
بغض النظر عن أي مؤاخذات بخصوص شخصيته وطريقة تدبيره للمنتخب في الآونة الأخيرة، كنت أتمنى من أعماق قلبي أن يتوج الركراكي بلقب كان سيجعله الأفضل في تاريخ المغرب، وسيحوله إلى أسطورة.
ولكن، مع الأسف، تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن.
*سمير بنيس | كاتب رياضي
