لم تكن صرخة “خدام على الواليدة” التي أطلقها شاب من حي مولاي رشيد بالدار البيضاء، بعد تعرضه للسرقة تحت تهديد السلاح الأبيض، من قبل عشريني ألقي عليه القبض ساعات بعد ارتكاب جريمته، مجرد لحظة مؤثرة هزت مواقع التواصل الاجتماعي وأثارت تعاطف آلاف المغاربة. كانت، في العمق، مرآة لواقع أكبر يعيشه كثير من سكان العاصمة الاقتصادية، خصوصا مع حلول الليل.
فالضحية، الذي خرج بحثا عن قوت يومه، وجد نفسه في مواجهة نموذج بات مألوفا في عدد من أحياء الدار البيضاء؛ جانحون ومدمنون يتربصون بمن يكدون يوميا من أجل لقمة العيش، ويكافحون لتربية أبنائهم في بيئة سليمة بعيدة عن كل الشوائب التي قد تنال من مستقبلهم. فئة لا تتردد، أحيانا، في سلب المواطنين ما بحوزتهم، أو في تنغيص حياتهم بتحويل الأحياء التي يقطنونها، خاصة ليلا، إلى مسرح مفتوح للفوضى والعربدة والخوف.
وخلف التفاعل الكبير الذي أثارته عبارة “خدام على الواليدة”، عاد إلى الواجهة النقاش حول ما بات يشبه “جيوشا” من المدمنين والمنحرفين الذين يجوبون بعض الأحياء ليلا، في مجموعات تشبه “العصابات”، على متن سيارات ودراجات نارية، أو مجتمعين في زوايا معتمة، وأمام الإقامات السكنية والفضاءات العمومية، لتعاطي مختلف أنواع المخدرات، حتى الأخطر فيها وهي “البوفا”.
من مولاي رشيد إلى الحي الحسني، ومن بعض أحياء آنفا، كالمعاريف وبوركون، إلى مناطق أخرى، تتكرر الشكاوى نفسها: ضجيج يمتد حتى الفجر، صراخ وشجارات، تخريب للممتلكات، اعتداءات على الفضاء العام، وتعاط علني للحشيش والخمر ومواد أشد خطورة، وسط إحساس متنام لدى السكان بأن الليل لم يعد يشبه مدينتهم التي يعرفونها.
المثير للقلق أن الأمر لم يعد يختزل في وقائع متفرقة أو حالات معزولة، بل في سلوكيات ليلية تكاد تتحول إلى مشهد اعتيادي في بعض الأحياء؛ أشخاص يقضون النهار في النوم، ثم يستيقظون مع حلول الظلام، مستفيدين من هدوء الشوارع وخفة الحركة، ليحولوا حياة السكان إلى دائرة من القلق والترقب.
وبين صرخات الضحايا وشكاوى الساكنة، يبقى السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: كيف أضحى لهذه الفئات هذا الحضور الليلي الطاغي في بعض الأحياء؟ وكيف يمكن إعادة الطمأنينة إلى مدينة لا يطلب سكانها أكثر من حق بسيط… أن يعودوا إلى بيوتهم ليلا دون مواجهة مشاكل قد تنتهي بمآسي؟
عادل الشاوي
