لم يكن توقيع المغرب على ميثاق إحداث مجلس السلام، الذي دعا إليه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حدثا معزولا أو طارئا في مسار الدبلوماسية المغربية، بل جاء تتويجا طبيعيا لمسار طويل اختار فيه المغرب، دولة ومؤسسات وقيادة، أن يكون فاعلا في صناعة السلام لا مجرد شاهد عليه.
فالمغرب لم يدخل معجم السلم الدولي من بوابة الخطابات، بل من بوابة الميدان، حيث انخرط منذ ستينيات القرن الماضي في عمليات حفظ السلام تحت راية الأمم المتحدة، جامعا بين الالتزام الصارم بالشرعية الدولية، والبعد الإنساني الذي يضع حماية المدنيين في قلب كل تدخل.
منذ سنة 1960، حين أرسلت المملكة تجريدة من القوات المسلحة الملكية إلى الزايير “جمهورية الكونغو الديمقراطية حاليًا “، ثم في سنوات لاحقة إلى الصومال، والبوسنة والهرسك، وكوسوفو، وهايتي، ورواندا، وبوروندي، وكوت ديفوار، ومنطقة البحيرات الكبرى… ظل الجندي المغربي حاضرا حيث يغيب الأمل، وحيث يكون السلاح آخر لغة بين المتنازعين.
لم تكن تلك المشاركات بلا ثمن. فقد قدم المغرب شهداء في ساحات حفظ السلام، سقطوا وهم يؤدون واجبا إنسانيا نبيلا، مثبتين أن العقيدة العسكرية المغربية لا تنفصل عن القيم الأخلاقية، ولا ترى في القوة سوى وسيلة لحماية الإنسان لا لإخضاعه.
هذا الرصيد الميداني تعزز، في العقود الأخيرة، بشراكات استراتيجية، أبرزها التعاون المتقدم مع حلف شمال الأطلسي، والمجهودات المعترف بها دوليا في محاربة الإرهاب وتعزيز الاستقرار بمنطقة المتوسط وإفريقيا. وهي مجهودات جعلت المغرب يحتل موقعا متقدما ضمن الدول الأكثر مساهمة في عمليات حفظ السلام، سواء على المستوى الإفريقي أو الدولي، ويجعل من جنوده سفراء فوق العادة لبلادهم، يحظون بالاحترام والتقدير أينما حلوا.
لكن ما يمنح كل هذا المسار معناه العميق، هو الرؤية المتبصرة لجلالة الملك محمد السادس، الذي أعاد تموقع المغرب كقوة هادئة، موثوقة، وغير اندفاعية في العلاقات الدولية. قوة تشتغل بصمت، وتراكم المصداقية، وتفهم أن السلم ليس شعارا أخلاقيا فقط، بل مصلحة استراتيجية للعالم، وللمنطقة، وللمغرب نفسه، الذى يعتبره اختيارا حضاريا قبل كل هذا وذاك.
ومن هذا المنطلق، لم يكن غريبا أن يحظى المغرب بثقة دولية جعلت الرئيس الأمريكي يدعو في ملتقى داڤوس وزير خارجية المملكة للتوقيع على ميثاق إحداث مجلس السلام. بعد أن كان جلالة الملك قد رد بالإيجاب على دعوة الرئيس الأمريكي ليصبح عضوا مؤسسا لهذا المجلس، ضمن المبادرة التي اقترحها الرئيس الأمريكي الرامية إلى المساهمة في جهود السلام بالشرق الأوسط، واعتماد مقاربة جديدة لتسوية النزاعات في العالم.
لهذا، فالدول لا تستدعى لصناعة السلام بالنيات، بل بتاريخها، وبثبات مواقفها، وبقدرتها على الجمع بين الحكمة والفعالية، ولكن أيضا في هذا السياق بالمصداقية التي يتمتع بها المغرب سواء على الصعيد الدولي، أو حتى لدى أطراف النزاع الفلسطيني- الإسرائيلي، حيث انبثق في إطاره مجلس السلام المذكور، بمقتضى قرار مجلس الأمن 2803- 25 .
إن مشاركة المغرب في هذا المجلس ليست مجرد توقيع دبلوماسي، بل تأكيد جديد على أن المملكة، بقيادة ملكها، اختارت منذ زمن أن تكون في صف الحلول لا النزاعات، وفي موقع البناء لا الهدم، وأن تجعل من السلام عقيدة دولة، قولا وفعلا، لا ورقة ظرفية في لعبة علاقات الأمم.
ففي خضم التحولات السياسية والأحداث الغير السارة التي تعج بالحروب والنزاعات في الشرق الاوسط، أو في عدة مناطق من العالم، حيث غالبا ما تعجز الطائرات الحربية والصواريخ المدمرة على إيجاد حلول لها، فلا الفوضى المتنامية، ولا قضية البيئة والمناخ يمكن حلها بالقصف والعدوان، وعلى الرغم من أن أفق هذه الحروب والنزاعات مازالت مفتوحة، وستبقى كذلك محددا رئيسيا للتطورات السياسية اللاحقة خلال المدى المنظور، فإن تأسيس مجلس السلام ، في الظرفية الدولية التي يعرفها الجميع، من شأنه أن يساهم لا محالة في حل النزاعات ومشاكل توثر العلاقات بين الدول في العالم، بناءا على المقاربة المقترحة التي تبدو حازمة، والتي ستعطي للحوار والوساطة والتنمية المساحة المستحقة في نسيج العلاقات الدولية من أجل عالم ونظام دولي ٱمنين ، وبإرادة دول مؤمنة حقيقة بالسلم.
*حميد غوغو -كاتب صحفي
