في ظل التحولات المتسارعة التي يعرفها ملف الصحراء، يبرز حضور حركة صحراويون من أجل السلام كنتاج طبيعي لاختلالات راكمتها سنوات من الجمود، وأخطاء جسيمة في تدبير القيادة التقليدية للبوليساريو، التي ضيقت أفق الحل وحاصرت الصحراويين داخل خطاب أحادي وإقصائي.
ظهرت الحركة من رحم المعاناة، ومن وعي داخلي متنام بضرورة الواقعية، فاختارت الانحياز للسلام، وفتحت كوة أمل من الداخل، وساهمت في كسر احتكار التمثيل وإعادة الاعتبار للصوت الصحراوي العاقل، المتصالح مع المستقبل.
لم تكن مساهمة الحركة ظرفية أو إعلامية، بل اشتغلت بهدوء وعمق داخل المخيمات، وفي موريتانيا، وفي الشتات بأوروبا، وفي مدن الصحراء على المحيط الأطلسي. تغلغل أعضاؤها بمختلف تلاوينهم من مسؤولين ومناضلين ومقاتلين سابقين واطر ودبلوماسيين وكفاءات رجالا ونساءا في النسيج الاجتماعي، وراكموا ثقة حقيقية، ونجحوا في نقل النقاش من منطق الشعارات إلى منطق الحلول.
وبفضل أفكارها المتزنة ونضالاتها السلمية، ساهمت في إرباك الخطاب المتشدد البالي والتابع، بل وأجبرت قيادات البوليساريو والعديد من عناصرها المتشددين على مراجعة مواقفهم واستعمال “الفرامل” أمام اندفاعاتهم كانت تقود دائما إلى مزيد من الانسداد.
قد لا يتيسر للحركة حاليا حضور مباشر على طاولة المفاوضات الرسمية، لكن هذا الغياب الشكلي لا يعني الإقصاء ولا انعدام الدور.
فالحركة حاضرة في قلب كل صحراوي، في وجدانه ومخيلته، يجدها حيثما ولى وجهه: في المخيمات، في أوروبا، في موريتانيا، وفي المغرب.
أدبياتها ومبادئها تسكن كل خيمة وكل بيت وفي مخيلة كل صحراوي يثوق إلى الحرية وإلى حل ينهي المعاناة، وتشكل رصيدا معنويا ورمزيا لا يمكن تجاوزه في أي مسار جدي للحل.
مستقبل الحركة يبدو واعدا، ودورها مرشح لأن يكون أساسيا في إنجاح مشروع الحكم الذاتي، حيث ستشارك في البناء والتأسيس والاشراف بتحمل مسؤوليات سياسية وإدارية وإجتماعية وإقتصادية…، وستساهم في تهدئة الأوضاع، والمساعدة في ترميم الجراح الاجتماعية، ومسح رؤوس الأيتام، والاهتمام باللاجئات والجرحى والمعطوبين والمقهورين…. وإعادة الثقة بين الإنسان الصحراوي ومحيطه السياسي والمؤسساتي بأرضه وداخل وطنه معززا مكرما. أشخاصها مقدرون، ومؤسساتها محترمة، ومسؤولوها ومناضلوها والمتعاطفين معها مكانتهم محفوظة ومضمونة.
بحركة صحراويون من أجل السلام نضمن التوازن، وبأفكارها نضمن التعقل، وبنضالاتها نضمن المستقبل.
أدوارها لم تكن فقط في الماضي، بل هي حاضرة اليوم، وستتعاظم غدا.
لذلك فليطمئن أعضاء الحركة وأنصارها: موقعكم محفوظ، ودوركم قائم، ومسؤوليتكم التاريخية مستمرة.
فالسلام لا يبنى بالضجيج، بل بالحكمة، وهذه كانت وما تزال بصمة حركة صحراويون من أجل السلام.
*الدكتور: عبدالقادر الحافظ بريهما-كاتب وسياسي
