مع تعيين مجتبى خامنئي مرشدًا أعلى جديدًا لإيران بعد مرحلة إضطراب داخل قمة السلطة، يدخل النظام الإيراني مرحلة مفصلية قد تعيد تشكيل توازناتها الداخلية وعلاقاتها الدولية لسنوات قادمة.

هذا التحول يطرح سؤالًا جوهريًا: هل سيواصل النظام الإيراني المسار المتشدد الذي طبع سياسته خلال العقود الماضية، أم ستفرض الظروف الجديدة مقاربة أكثر براغماتية تفتح الباب أمام مفاوضات مع الولايات المتحدة حول البرنامج النووي وبرنامج الصواريخ؟.

المعطيات الأولية تشير إلى أن القيادة الجديدة ستسعى في المرحلة الأولى إلى تأكيد الإستمرارية أكثر من إظهار القطيعة. فمجتبى خامنئي نشأ سياسيًا داخل الدائرة الأكثر محافظة في النظام، وهو قريب من شبكات الحرس الثوري والمؤسسات الأمنية التي تمثل العمود الفقري للنظام القائم.

لهذا السبب يبدو من المرجح أن يركز في البداية على تثبيت شرعيته داخل بنية السلطة، وهو ما يمر عادة عبر خطاب سياسي متشدد يؤكد استمرار النهج الثوري وعدم تقديم أي إشارة ضعف في مواجهة الولايات المتحدة أو إسرائيل.

في هذا السياق قد نشهد إستمرار تطوير البرنامج الصاروخي ومحاولات لإعادة بناء القدرات العسكرية التي تضررت خلال المواجهات الأخيرة، إلى جانب الحفاظ على خطاب المواجهة الإقليمية.

غير أن الواقع الذي تواجهه إيران اليوم أكثر تعقيدًا من السابق.

فالعقوبات الاقتصادية الطويلة والحرب الأخيرة والضغوط الاجتماعية الداخلية خلقت بيئة استراتيجية مختلفة.

الاقتصاد الإيراني يعاني من تضخم مرتفع وتراجع العملة وضغط كبير على الموارد، كما أن إستمرار العزلة الدولية يضع النظام أمام معادلة صعبة بين الحفاظ على الخطاب الثوري وضمان بقاء الدولة واستقرارها.

هذه الظروف قد تدفع القيادة الجديدة إلى إعتماد مقاربة مزدوجة تجمع بين التشدد في الخطاب السياسي والمرونة في إدارة الملفات الدبلوماسية.

في هذا الإطار قد تظهر قنوات تفاوض غير مباشرة مع واشنطن عبر وسطاء إقليميين مثل عمان أو قطر، خصوصًا حول الملف النووي الذي يبقى الملف الأكثر حساسية في العلاقة بين إيران والغرب.

التجربة السابقة مع خطة العمل الشاملة المشتركة أظهرت أن النظام الإيراني قادر على الجمع بين خطاب المواجهة والتفاوض البراغماتي عندما يصبح الضغط الاقتصادي والسياسي كبيرًا.

لذلك ليس مستبعدًا أن تسعى القيادة الجديدة إلى ترتيبات جديدة تسمح بتخفيف العقوبات مقابل قيود معينة على البرنامج النووي أو آليات رقابة دولية أوسع، مع الحفاظ في الوقت نفسه على عناصر الردع التي يعتبرها النظام ضمانة أساسية لبقائه.

في الداخل الإيراني قد تتشكل مرحلة من التوازن الحساس بين عدة مراكز قوة. الحرس الثوري سيحاول الحفاظ على نفوذه الكبير داخل الدولة ويدفع نحو استمرار الخط المتشدد.

بينما قد يدافع تيار براغماتي داخل النخبة الاقتصادية والإدارية عن ضرورة تخفيف التوتر مع الغرب لإنقاذ الاقتصاد.

إلى جانب ذلك تبقى المؤسسة الدينية التقليدية حريصة على الحفاظ على شرعية النظام واستقراره الاجتماعي.

قدرة المرشد الجديد على إدارة هذا التوازن بين هذه القوى المختلفة ستكون عاملاً حاسمًا في تحديد الاتجاه الفعلي للسياسة الإيرانية خلال السنوات القادمة.

بناءً على هذه المعطيات يبدو أن السيناريو الأكثر واقعية هو مزيج من الاستمرارية والتكيف.

فإيران قد تحافظ في العلن على خطاب سياسي متشدد يؤكد ثوابتها الاستراتيجية، لكنها قد تتحرك في الوقت نفسه نحو مرونة تكتيكية تسمح بتخفيف الضغوط الدولية وإعادة ترتيب أولوياتها الداخلية.

هذا النهج ليس جديدًا في تاريخ هذا النظام، بل يمثل أحد الأساليب التي استخدمها مرارًا للتكيف مع التحولات الدولية دون التخلي عن بنيته الأساسية.

تعيين مجتبى خامنئي لا يعني بالضرورة بداية مرحلة إصلاح سياسي داخل إيران، لكنه قد يفتح مرحلة جديدة من إعادة التموضع الاستراتيجي.
فالتحدي الحقيقي أمام القيادة الجديدة لن يكون فقط في إدارة الصراع مع الخارج، بل في الحفاظ على تماسك النظام داخليًا في ظل بيئة إقليمية ودولية أكثر تقلبًا من أي وقت مضى.

وفي هذا السياق ستتحدد ملامح المرحلة المقبلة بين إستمرار التشدد الذي شكل هوية النظام لعقود، وبين البراغماتية التي قد تفرضها ضرورات البقاء.

*الدكتور إدريس الفينة-خبير في الشؤون الاستراتيجية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *