عندما تشاهد إبراهيم دياز داخل المستطيل الأخضر، وتحديدا في مربع العمليات، تستشعر اقتراب الخطر على مرمى الفريق الخصم.
إحساس لا يلبث أن يستحوذ أكثر على لاعبي الفريق المنافس، سواء داخل الميدان أو على دكة الاحتياط.
ويمكن لمن يتابع مباريات المنتخب المغربي في “كان 2025” أن يرصد، بوضوح، في خندق الخصوم، حالة الاستنفار القصوى عند كل لمسة كرة من قبل اللاعب. لذلك، حين تأتيه الكرة، أو عندما يسترجعها من بين أقدام اللاعبين بتلك الشراسة الممزوجة بالدهاء، ترتسم في ذهنه عديد السيناريوهات.. تمرير دقيق إلى مهاجم ينفرد بالحارس، أو مراوغة ثم توغل فتصويب يهز الشباك.
وعندما تسأل الجماهير، سواء المدريدية أو الإفريقية والعربية، عن دياز، يقولون إنه من اللاعبين القلائل في العالم الذين تعشق أعينهم رؤية الكرة بين أقدامهم. فحين تصله الكرة، يتوقف الزمن لجزء من الثانية، ولوهلة تشعر كما لو أن الحركة تباطأت، وأن النبض تسارع بقوة، لينتقل الإحساس من الميدان إلى المدرجات، حيث تدخل الجماهير في حالة ترقب مفتوحة على احتمال التسجيل.
ورغم أنه من أكثر اللاعبين لمسا للكرة في “كان 2025″، فإن حضوره داخل الملعب لا يقاس بعدد اللمسات بقدر ما يقاس بنوعيتها وبحجم الركض وذكاء التموضع.
فكل كرة بين قدميه هي بداية لاختراق، ومشروع هدف، قبل أن تحين اللحظة الحاسمة.. انفجار كروي مكتمل العناصر.. رؤية فتموضع فجرأة على الاختيار، ثم توغل وتنفيذ، فهدف تنصهر فيه كل مقومات الجمال والكمال.
تماما كما هو الحال في هدفه الأيقوني في مرمى تنزانيا، حين تسلم تمريرة من العميد أشرف حكيمي، استدار وراوغ، ثم سدد في زاوية مغلقة تكاد تنعدم فيها فرص النجاح.
لكن مع إبراهيم، لا شيء مستحيل. هدف جميل جمع بين التحدي والإصرار، والترجمة الفورية لقراءة مسبقة فكت شيفرة قفل المنافذ، رافعا رصيده إلى 5 أهداف متتالية في “الكان”.
ولذلك، لا يمكن في المغرب أن يذكر تسجيل الأهداف في مباريات متتالية ضمن كأس أمم إفريقيا دون أن يرتسم في الأذهان اسم أسطورة كرة القدم الوطنية الراحل أحمد فرس، بوصفه مرجعا تاريخيا وعتبة يصعب تجاوزها، بعدما سجل ثلاثة أهداف في ثلاث مباريات متتالية خلال نسختي 1972 و1976.
وحين سجل إبراهيم دياز في أربع مباريات متتالية خلال نسخة “الكان” الحالية، لم يكن الحدث تفوقا فرديا فحسب، بقدر ما كان بداية لكتابة تاريخ جديد للمنتخب الوطني من جهة، ولمسار اللاعب من جهة ثانية، خاصة وأنه أعاد ترتيب الذاكرة الكروية المغربية، وفتح مسافة جديدة بين الحاضر وأسطورته المؤسسة.
منذ دور المجموعات الذي أنهاه المنتخب الوطني في صدارة مجموعته بـ7 نقط، بدأ دياز ينسج خيطه الخاص داخل المنافسة.. 3 أهداف في 3 مباريات متتالية أمام جزر القمر ومالي وزامبيا. ومع هدفه الحاسم في دور ثمن النهائي في شباك تنزانيا، انتقل الرقم من دائرة المقارنة إلى مرحلة التجاوز، ليصبح دياز أول لاعب مغربي يسجل في خمس مباريات متتالية في نهائيات كأس أمم إفريقيا، واضعا اسمه في خانة أساطير الكرة المغربية، ممن يملكون أرقاما قياسية وطنية ودولية.
ولد إبراهيم عبد القادر دياز في 3 غشت 1999 بإسبانيا، وتحديدا بمنطقة “كوستا ديل سول” بمدينة مالقا، المدينة المفتوحة على البحر وعلى التعدد الثقافي وعلى عشق كرة القدم. هناك كانت البيئة الأولى لطفل وجد في الكرة لغة أخرى للتعبير عن الذات.
فهو ينتمي إلى جيل اللاعبين المغاربة من أبناء المهجر، حيث نشأ داخل أسرة متشبثة بالتقاليد المغربية.. فوالده، سفيال عبد القادر، المولود بمدينة مليلية، تعود جذوره إلى منطقة فرخانة بإقليم الناظور، بينما والدته باتريشيا دياز إسبانية.
وهكذا، فتح الطفل عينيه على ثقافتين متقاربتين شكلتا خلفية لتربيته المتميزة.
وبحسب مصادر إسبانية، يعد إبراهيم الابن الأكبر في هذه الأسرة المكونة من الوالدين وخمسة أبناء.. إبراهيم وأربع شقيقات.
وفي هذا الجو الأسري المتماسك، تشكل وعيه الأول بفكرة تحمل المسؤولية والانضباط، والرهان على الاجتهاد لتحقيق حلم والده بأن يصبح واحدا من نجوم كرة القدم، خاصة بعد أن أظهر موهبته في مداعبة الكرة في سن مبكرة.
ولتحقيق أول خطوة في هذا الحلم، رافقه والده إلى أكاديمية مالقا وهو في الثامنة من عمره فقط، وهناك بدأ اسمه يتداول داخل أروقة التكوين بوصفه مشروع لاعب مختلف.
وبحسب تقرير لصحيفة “ماركا” الإسبانية، خصصت فيه حيزا مهما لبداياته الأولى، أيام التحاقه بنادي مانشستر سيتي، فإن قصة إبراهيم مثيرة للاهتمام.. فقد انضم إلى أكاديمية مالقا في سن الثامنة، وغادرها في الـ14.
وتبعا للمصدر ذاته، اختارت عائلته نادي مانشستر سيتي لمواصلة مسيرته، رغم تلقيه عروضا من برشلونة ومن ريال مدريد، إضافة إلى بايرن ميونيخ ومانشستر يونايتد، وغيرها من الأندية الكبرى.
في السيتي، تضيف “ماركا”، التقى إبراهيم بمدربه السابق في مالقا، مانويل بيليغريني، الذي يعرفه جيدا، وأشركه في أول حصة تدريبية مع الفريق.
كما التقى هناك ببيب غوارديولا، الذي كان قد تواصل معه من قبل، خاصة وأن “بيري”، شقيق غوارديولا، كان آنذاك وكيل أعمال دياز، قبل أن يتولى والده هذه المهمة. وسرعان ما أصبح إبراهيم معروفا في الأوساط الكروية، وبين الوكلاء والعلامات التجارية، التي تنافست عليه “أديداس” و”نايكي”، بالنظر إلى أسلوبه الجذاب كصانع ألعاب وحامل للرقم 10، وما يقدمه من مراوغات وأهداف ساحرة.
في التقرير ذاته، الذي أنجزته “ماركا” عن دياز وهو لم يتجاوز بعد سن الـ17، تبرز ملاحظة مهمة تتعلق بدور الأسرة في حياته، إذ أشارت الصحيفة إلى أنه كان يعيش مع والده ووالدته وشقيقاته الأربع في منزل بمانشستر، غير بعيد عن مركز التدريب “سيتي فوتبول أكاديمي” بضواحي المدينة. ونقلت عن والده قوله عن إبراهيم إنه “الابن الأكبر، وكان دائما شديد الإحساس بالمسؤولية. كرة القدم تجري في دمه، وأفكاره واضحة، لكنه يدرك أنه من دون جهد لن يصل إلى شيء”.
داخل السيتي، شق دياز طريقه بهدوء، متنقلا بين الفئات السنية، إلى أن بلغ فئة الكبار، مؤكدا مكانته كواحد من أبرز من حملوا الرقم 10 في جيله. ومع مرور الوقت، تحول المشروع إلى مسار احترافي متعدد المحطات، قاده إلى ريال مدريد في الميركاتو الشتوي لسنة 2019 مقابل 17.5 مليون يورو.
غير أن إبراهيم لم يجد مكانه بسهولة داخل الفريق الملكي، ما دفعه إلى الانتقال معارا إلى النادي الإيطالي العريق “إي سي ميلان”، حيث قضى 3 مواسم بين 2020 و2023، وأصبح لاعبا أساسيا، مساهما في تتويج النادي بلقب الدوري الإيطالي موسم 2022.
وبعد عودته إلى مدريد، واصل دياز أداء دوره كلاعب قادر على قلب موازين اللعب، مستفيدا من مرونته التكتيكية، حيث يجيد اللعب في مركز الجناح، ووسط الميدان الهجومي، أو كمهاجم وهمي. وهو ما يعكس قيمته داخل تشكيلة كارلو أنشيلوتي، أو تشابي ألونسو، وإن كان الأخير ما يزال مترددا في إسناد أدوار كبرى إليه، ما جعله حبيس دكة الاحتياط. غير أن تقارير صحفية إسبانية تؤكد أن الظهور اللافت لإبراهيم في كأس أمم إفريقيا 2025 من شأنه أن يغير كثيرا من حسابات ألونسو المستقبلية، بعدما خطف اللاعب أنظار العالم بتسجيله في أربع مباريات متتالية، في واحدة من أصعب المنافسات الكروية في العالم.
وبعيدا عن قصة اختياره تمثيل بلد الأجداد، المغرب، رغم لعبه في جميع الفئات السنية لإسبانيا، فإن دياز، في أول مشاركة له بكأس أمم إفريقيا، كشف عن ذاته، أو بالأحرى اكتشف أفضل نسخة من نفسه.
ففي الملعب، يتحرك بعقلية لاعب يعرف ما سيفعله بالكرة قبل أن تصله.. يتقدم حين يجب التقدم، ويتراجع لخلق المساحات، ويضغط دون تهور، ويتوغل عندما يعجز زملاؤه عن فك شفرات الخطوط الدفاعية المتراصة. ولعل هذا النضج التكتيكي هو ما جعله أكثر لاعبي المنتخب نشاطا في المربع الهجومي، وأكثر الأسماء ترددا على الأسنة بكل لغاتها.. “برافو السي إبراهيم”.
*حسن عين الحياة |المنعطف
