ما وقع في شوارع الرباط لم يكن حادثًا عابرًا ولا مجرد “تعثر سياحي” لمشجعين ضلّوا الطريق، بل كان مشهدًا سياسيًا واجتماعيًا مكثفًا، أسقط القناع عن خطاب رسمي جزائري ظلّ لسنوات يبيع الوهم تحت شعارات “النيف” و“العزة”، فيما الواقع يفضح هشاشة الإنسان قبل الشعارات.
صور مشجعين جزائريين يتسولون تذاكر الملاعب، يلاحقون مسؤولي الاتحادية الجزائرية طلبًا للإعانة، أو يبيتون في محطات النقل العمومي، ليست مجرد لقطات مؤلمة، بل اتهام مباشر لمنظومة حكم دفعت بشبابها إلى الخارج بلا حماية، بلا تخطيط، وبلا كرامة فعلية، ثم تركتهم يواجهون مصيرهم في عواصم الغير.
المفارقة الصارخة أن هؤلاء قدموا من بلد لا يتوقف إعلامه الرسمي عن التباهي بـ“القوة الإقليمية” و“الاستقلالية الاقتصادية”، لكن أبناءه يعجزون عن تحمل كلفة أيام معدودة في مدينة مغاربية. وهنا لا يتعلق الأمر بغلاء الرباط فقط، بل بانهيار القدرة الشرائية، وتآكل الأجور، واتساع البطالة، في بلد يُدار بعقلية الثكنة لا بمنطق الدولة الاجتماعية.
الأكثر إحراجًا للخطاب الرسمي الجزائري أن من أنقذ هؤلاء من الجوع والتشرد المؤقت لم يكن سفارة ولا مؤسسات رسمية، بل مواطنين مغاربة بسطاء، فتحوا جيوبهم وموائدهم بدافع إنساني خالص. كرم شعبي في مقابل صمت رسمي جزائري مطبق، وكأن هؤلاء المشجعين لا ينتمون إلا عندما يرفعون الشعارات، ثم يُرمى بهم خارج الحسابات.
ورغم هذا السلوك الإنساني، استمر بعض المناصرين في رفع شعارات مستفزة، في تعبير فج عن عقلية غذّتها سنوات من التعبئة العدائية، حيث يُطلب من المواطن أن يكره أكثر مما يُطلب منه أن يفكر، وأن يصرخ أكثر مما يُطلب منه أن يسأل: لماذا سافرت؟ من حماك؟ من تركك؟
تحذيرات المعارض الجزائري شوقي بن زهرة لم تأتِ من فراغ، بل عكست معرفة ببنية جمهور شُحن سياسيًا، واستُخدم كأداة تفريغ، لا كقيمة إنسانية يجب حمايتها. فالنظام الذي يصنع العداء كسياسة داخلية، لا يمكنه أن ينتج جمهورًا مسؤولًا خارج حدوده.
والأخطر أن هذه الوقائع تفضح كذبة “الدعم” و“المنح”. فحرمان الجزائريين من الاستفادة الحقيقية من أموالهم، وتقييد العملة الصعبة بسقف هزيل، يدفع الشباب إلى المغامرة والسقوط. نظام يمنع عن مواطنيه حقهم في السفر بكرامة، ثم يتباكى على “سمعة البلاد” عندما تنكشف الصور.
صورة مشجع جزائري ينام في محطة حافلات بالرباط، متلفحًا بعلم بلاده، ليست صورة فقر فقط، بل صورة نظام فشل في رعاية أبنائه، فحوّل الوطنية إلى قطعة قماش، والكرامة إلى شعار أجوف، والحدود إلى جدار يحبس الناس أكثر مما يحميهم.
ما حدث في الرباط ليس إساءة للجزائر كشعب، بل إدانة صريحة لمن يحكمها دون محاسبة. كرة القدم هنا لم تكشف تعصبًا رياضيًا، بل عرّت سياسة قائمة على النفخ الإعلامي، وتصدير الأزمات، وترك المواطن يواجه مصيره وحده.
وبين “النيف” الذي يُردد في القنوات، و“الحزقة” التي تظهر في الشوارع، تتجلى الحقيقة بلا مكياج: المشكلة ليست في الجمهور، بل في من أوصل الجمهور إلى هذا الحال.
هي صورة عرت «نظام الجزائر» في الرباط.
*جلال حسناوي – le12
