تضع الدكتورة فاطمة الزهراء عتاق، وهي باحثة في التواصل السياسي والمؤسساتي وتحليل الخطاب السياسي الخطاب الملكي السامي بمناسبة افتتاح البرلمان المغربي في 9 أكتوبر 2026، تحت مجهر الدرس والتحليل.
وفيما يلي نص الدراسة كاملة، والتي جاء تحت عنوان : «الخطاب السياسي الخطاب الملكي السامي بمناسبة افتتاح البرلمان المغربي في 9 أكتوبر 2026: مقاربة تحليلية للخطاب لتهييء الشروط العملية والمؤسساتية لإرساء الحكم الذاتي».
الرباط – جريدة Le12.ma
مقدمة
يشكل الخطاب الملكي السامي بمناسبة افتتاح السنة التشريعية إحدى المحطات الدستورية والسياسية التي تتحدد من خلالها ملامح المرحلة المقبلة، وتُطرح فيها الأولويات الكبرى للعمل المؤسساتي والتنموي.
وتنبع أهميته من كونه يجمع بين التأطير الاستراتيجي، والتوجيه المؤسساتي، والتواصل مع الفاعلين السياسيين والرأي العام.
وفي هذا السياق، يكتسي الخطاب الملكي الذي وجهه صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، يوم الجمعة 9 أكتوبر 2026، إلى أعضاء مجلسي البرلمان، بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى من الولاية التشريعية الثانية عشرة، أهمية خاصة، بالنظر إلى ما تضمنه من توجهات تتعلق بمكانة المغرب الاقتصادية، والأمن الاستراتيجي، وتمكين الشباب، وتسريع الجهوية المتقدمة، وتطوير الشراكات الدولية، وتعزيز مسؤولية المؤسسة التشريعية، فضلاً عن ترسيخ المقاربة المغربية القائمة على إرساء الحكم الذاتي باعتباره إطاراً واقعياً وعملياً ونهائياً لتسوية قضية الصحراء المغربية.
وتميز الخطاب بربطه بين مجموعة من المستويات المتكاملة: الاعتزاز بالهوية الوطنية، ومواصلة الإصلاحات الكبرى، وتحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية والمجالية، والانتقال إلى عمل ميداني أكثر استجابة لحاجات المواطنين، إلى جانب تثبيت الوحدة الترابية وتعزيز مقترح الحكم الذاتي باعتباره تجسيداً للحل السياسي الواقعي القائم على السيادة المغربية والتدبير الذاتي لشؤون الأقاليم الجنوبية.
وتأسيساً على ذلك، لا ينبغي أن تقتصر قراءته على تلخيص مضامينه، بل يتعين تحليل منطقه الاستراتيجي، وتحديد الأولويات التي يطرحها، ودراسة بنيته التواصلية والحجاجية، واستكشاف شروط تحويل التوجيهات إلى برامج وممارسات قابلة للتقييم، بما يخدم ترسيخ الحكم الذاتي وتعزيز التنمية المندمجة بالأقاليم الجنوبية.
أولاً: الإشكالية المركزية للدراسة
كيف يؤسس الخطاب الملكي السامي بمناسبة افتتاح البرلمان لسنة 2026 رؤية متكاملة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية والمجالية في إطار ترسيخ الوحدة الترابية وإرساء الحكم الذاتي، وما الأوراش التي ينبغي إعطاؤها الأولوية في تنزيل هذه الرؤية، وكيف يوظف الخطاب آلياته التواصلية لتوجيه المسؤولية المؤسساتية وتعزيز الثقة بين الدولة والمواطن؟
وتتفرع عن هذه الإشكالية الأسئلة الآتية:
ما الدلالات الاستراتيجية للربط بين مكانة المغرب الاقتصادية وتحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية وترسيخ الحكم الذاتي؟.
كيف تتكامل أوراش الأمن المائي والطاقي والغذائي والتصنيع والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي مع متطلبات التنمية بالأقاليم الجنوبية؟.
لماذا يحتل العمل الميداني والجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري موقعاً محورياً في تنزيل الحكم الذاتي؟.
ما طبيعة الرسائل الموجهة إلى القطاع الخاص والشباب والمؤسسة التشريعية والشركاء الدوليين بشأن قضية الصحراء المغربية؟.
كيف يبني الخطاب العلاقة بين الاعتزاز الوطني والمسؤولية السياسية والواجب المؤسساتي في الدفاع عن الوحدة الترابية؟.
ما الدور الذي يمكن أن يؤديه التواصل المؤسساتي في تحويل التوجهات المعلنة إلى نتائج ملموسة تعزز جاذبية الأقاليم الجنوبية ومصداقية الحكم الذاتي؟.
ثانياً: الفرضيات والمنهجية
- فرضيات الدراسة
يمثل الخطاب إطاراً للتوجيه الاستراتيجي، يربط بين الطموح الاقتصادي ومتطلبات العدالة الاجتماعية والمجالية وترسيخ الوحدة الترابية.
يشكل الانتقال من المركزية الإدارية إلى تفعيل الجهوية واللاتمركز أحد الشروط الأساسية لإنجاح الحكم الذاتي وتحسين نجاعة السياسات العمومية.
يتطلب تحقيق السيادة الاقتصادية والاستراتيجية تكاملاً بين الأمن المائي والطاقي والغذائي، والتصنيع، والابتكار، وتأهيل الموارد البشرية، خصوصاً في الأقاليم الجنوبية.
يؤدي الخطاب وظيفة تواصلية مزدوجة: تأطير مسؤوليات الفاعلين المؤسساتيين، وتوجيه رسالة أوسع إلى المواطنين والشركاء الدوليين بشأن واقعية ونجاعة المقترح المغربي للحكم الذاتي.
ترتبط فعالية التوجيهات بمدى وضوح المسؤوليات، وجودة التنفيذ، والتنسيق المؤسساتي، ووجود مؤشرات تسمح بقياس النتائج التنموية والمؤسساتية للحكم الذاتي.
- المنهجية
تعتمد الدراسة تحليل مضمون النص الكامل المنشور للخطاب، بالاستناد إلى مقاربة تحليل الخطاب السياسي والتواصل المؤسساتي، مع توظيف التحليل الحجاجي والتداولي، واستحضار البعد الترابي والسيادي لقضية الصحراء المغربية.
وتقوم على التمييز بين ثلاثة مستويات:
المستوى النصي: دراسة المفاهيم والعبارات والتراكيب الواردة في الخطاب.
المستوى التفسيري: استنباط الدلالات السياسية والاستراتيجية والتواصلية للمضامين.
المستوى التطبيقي: اقتراح أولويات وآليات تنفيذ ومؤشرات تقييم، مع تمييزها بوضوح عن التوجيهات الواردة في النص، وربطها بمتطلبات إرساء الحكم الذاتي.
ثالثاً: التحليل الموضوعاتي لمضامين الخطاب الملكي
المحور الأول: الاعتزاز بالهوية الوطنية وتحويل الانتماء إلى مسؤولية
يستهل الخطاب مقاربته باستحضار الاعتزاز بالمغرب، وهويته الدينية والحضارية، وعمق تاريخه، وما راكمته المملكة من مكتسبات سياسية ودبلوماسية وتنموية، بما في ذلك ترسيخ الوحدة الترابية وتعزيز الحضور المغربي في الأقاليم الجنوبية.
غير أن الرسالة المركزية لا تتوقف عند الاعتزاز بالماضي أو الاحتفاء بالإنجازات؛ إذ يربط الخطاب الاعتزاز بالوطن بالمسؤولية والواجب الوطني، في صياغة تجعل الانتماء منطلقاً للعمل والمساهمة في المستقبل، والدفاع عن الثوابت الوطنية وفي مقدمتها الوحدة الترابية.
ويكتسب هذا الربط أهمية سياسية وتواصلية؛ لأنه ينقل مفهوم الوطنية من المجال الوجداني والرمزي إلى المجال العملي، حيث يصبح الاعتزاز بالوطن مرتبطاً بالأداء، واحترام الالتزامات، وخدمة المصلحة العامة، والمساهمة في التنمية، وتعزيز الثقة في النموذج المغربي للحكم الذاتي.
ومن منظور تحليل الخطاب، يتجلى هنا انتقال دلالي من قيمة مشتركة إلى مقتضى سلوكي: فالهوية تمنح الرسالة إطارها الرمزي، بينما تمنح المسؤولية هذا الإطار امتداده العملي.
الخلاصة التحليلية: يضع الخطاب الوطنية في علاقة مباشرة مع العمل والمسؤولية، بما يجعل صيانة المكتسبات واستكمال الإصلاحات وترسيخ الوحدة الترابية التزاماً يتجاوز التعبير عن الاعتزاز إلى الممارسة اليومية.
المحور الثاني: المغرب قوة اقتصادية صاعدة في توازن مع العدالة الاجتماعية والمجالية
يحدد الخطاب طموح المغرب في مواصلة تعزيز مكانته باعتباره قوة اقتصادية صاعدة وموثوقة، لكنه يربط هذا الطموح بضرورة تحقيق الانسجام بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية والمجالية، بما يرسخ جاذبية مختلف جهات المملكة، وفي مقدمتها الأقاليم الجنوبية.
ويحمل هذا الربط دلالة أساسية، تتمثل في أن التقدم الاقتصادي لا يُقاس فقط بحجم الاستثمارات أو توسع البنية التحتية، بل كذلك بقدرته على خلق فرص الشغل، وتحسين الخدمات، وتقليص الفوارق، وتوسيع الاستفادة من ثمار التنمية.
ومن هنا، تبرز ضرورة الانتقال من قياس الإنجاز بحجم المشاريع إلى قياس أثره في حياة المواطنين، ولا سيما في المناطق التي تشكل مجالاً تطبيقياً للحكم الذاتي والتنمية المندمجة.
ويقتضي هذا التوجه اعتماد سياسات استثمارية تدمج الأثر الاجتماعي والمجالي ضمن معايير اتخاذ القرار، مع تقوية قدرة الاقتصاد على الإنتاج والتصدير، وتحسين مناخ الأعمال، وربط المشاريع الكبرى بحاجات المناطق والقطاعات المنتجة.
الاستنتاج:
يطرح الخطاب معادلة تنموية تقوم على التكامل بين التنافسية الاقتصادية والإنصاف الاجتماعي، بما يجعل التنمية رافعة عملية لترسيخ الحكم الذاتي وتعزيز الثقة في المؤسسات.
المحور الثالث: الأمن المائي والطاقي والغذائي بوصفه أساساً للسيادة الاقتصادية
يدعو الخطاب إلى إطلاق جيل جديد من الاستراتيجيات الكبرى في مجالات الأمن المائي والطاقي والغذائي، إلى جانب الإقلاع الصناعي والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي، مع التعجيل بتطوير الاحتياطات الاستراتيجية وتأمين توريد المواد الأساسية.
وتكشف هذه المجموعة من الأولويات عن تصور متكامل للأمن الاقتصادي، يقوم على تقوية قدرة المملكة على مواجهة الاضطرابات الخارجية، وضمان استمرارية التزويد بالمواد الحيوية، وتقليص مواطن الهشاشة في سلاسل الإمداد.
فالأمن المائي يرتبط باستدامة النشاط الفلاحي والصناعي، والأمن الطاقي يؤثر في كلفة الإنتاج والتنافسية، فيما يرتبط الأمن الغذائي بقدرة منظومة الإنتاج والتوزيع على الاستجابة للحاجات الوطنية.
وتزداد أهمية هذه المحاور حين تُدمج في تخطيط استراتيجي مشترك، بدلاً من معالجتها عبر برامج قطاعية متفرقة، مع مراعاة الخصوصيات المناخية والجغرافية للأقاليم الجنوبية.
الأولوية العملية المقترحة:
تطوير منظومة متكاملة لتقييم المخاطر الاستراتيجية، تتضمن مؤشرات دورية للأمن المائي والطاقي والغذائي، وآليات للإنذار المبكر، وخططاً لضمان استمرارية الإمدادات، مع دعم البحث العلمي والابتكار في المجالات المرتبطة بها، بما يعزز شروط التنمية المستدامة في إطار الحكم الذاتي.
المحور الرابع: التصنيع والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي.
إن إدراج الإقلاع الصناعي والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي ضمن الاستراتيجيات الكبرى يعكس أهمية الانتقال إلى اقتصاد منتج للمعرفة والقيمة المضافة، وقادر على المنافسة في بيئة دولية متسارعة التحول.
ولا يكفي في هذا المجال استقطاب الاستثمارات أو اقتناء التكنولوجيا؛ بل يتطلب الأمر تطوير القدرات الوطنية، وتقوية العلاقة بين الجامعة والمقاولة، وتشجيع الابتكار، وتأهيل الكفاءات، ودعم المقاولات الصغيرة والمتوسطة، بما في ذلك المقاولات الناشئة بالأقاليم الجنوبية.
كما أن تطوير الذكاء الاصطناعي يقتضي وضع إطار للاستخدام المسؤول، وتطوير المهارات الرقمية، وحماية المعطيات، وتشجيع إنتاج الحلول التقنية المحلية.
وتبرز هنا أهمية جعل التكنولوجيا أداة لتحسين الإنتاجية والخدمات العمومية، لا غاية مستقلة عن حاجات الاقتصاد والمجتمع، وأن توظف في دعم الحكامة الترابية وتيسير المشاركة وتتبع تنفيذ برامج الحكم الذاتي.
الخلاصة: تكمن القيمة الاستراتيجية لهذا الورش في قدرة المغرب على الانتقال من استهلاك التكنولوجيا إلى إنتاج المعرفة والحلول، وربط الابتكار بخلق فرص الشغل وتعزيز التنافسية، بما يرفع من جاذبية الأقاليم الجنوبية ويقوي مقومات الحكم الذاتي.
المحور الخامس: الشباب وتكافؤ الفرص والإدماج الاقتصادي
يدعو الخطاب إلى وضع قضايا الشباب في صدارة السياسات العمومية واهتمامات هيئات الحكامة، من خلال تصور متكامل يشمل التعليم والتأهيل والإدماج الاقتصادي، ويعزز الثقة في فرص الارتقاء الاجتماعي.
وتتجاوز أهمية هذه الرسالة مجرد تخصيص برامج لفئة عمرية معينة؛ إذ تضع الشباب في صلب معادلة التنمية، باعتبارهم مورداً بشرياً وقدرة إنتاجية ومكوناً أساسياً في مستقبل الاقتصاد والمجتمع، وفاعلاً رئيسياً في إنجاح الحكم الذاتي.
ويقتضي ذلك تقوية العلاقة بين التعليم والتكوين وسوق العمل، وتطوير التوجيه المهني، وتيسير الولوج إلى التدريب وفرص التشغيل، وتشجيع المبادرات المقاولاتية والابتكار، خصوصاً في القطاعات الواعدة بالأقاليم الجنوبية.
كما يستدعي الاهتمام بالشباب اعتماد مقاربة تواصلية مستمرة تقوم على الاستماع إلى انتظاراتهم، وتوضيح الفرص المتاحة، ونشر المعلومات بشأن البرامج، وتقييم أثرها الفعلي.
الاستنتاج:
لا يتحقق تمكين الشباب بمجرد الإعلان عن المبادرات، بل من خلال توسيع فرص التعلم والعمل والمشاركة، وقياس النتائج التي تتحقق على مستوى الإدماج الاقتصادي والاجتماعي، بما يجعلهم شركاء في بناء نموذج الحكم الذاتي.
المحور السادس: الجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري والعمل الميداني
يمنح الخطاب أهمية مركزية للعمل الميداني على المستوى الترابي، ويؤكد ضرورة تشخيص المشكلات الحقيقية لكل منطقة، وإيجاد حلول واقعية لها.
كما يربط التنمية المندمجة وتحسين الخدمات العمومية وتحفيز الاستثمار المنتج بتسريع الجهوية المتقدمة وتفعيل اللاتمركز الإداري، وينبه إلى أن التأخر في تنزيل هذه الأوراش ينعكس سلباً على البرامج التنموية وعلى قدرة المؤسسات على الاستجابة لانشغالات المواطنين.
وتبرز أهمية هذا المحور في الانتقال من تدبير مركزي موحد إلى تدبير ترابي أكثر استجابة لاختلاف الحاجات والموارد والخصوصيات المحلية، وهو ما يشكل أساساً مؤسساتياً لإرساء الحكم الذاتي.
فالجهوية المتقدمة لا تحقق أهدافها بمجرد توزيع الاختصاصات على المستوى الترابي؛ بل تحتاج إلى موارد بشرية ومالية كافية، واختصاصات واضحة، وآليات للتنسيق والتعاقد، وقدرة فعلية على اتخاذ القرار وتنفيذ المشاريع.
ومن الناحية المؤسساتية، فإن نقل الاختصاصات دون الموارد اللازمة قد يؤدي إلى توسيع المسؤوليات من دون توفير شروط النجاح، بينما قد يؤدي غموض الاختصاصات إلى تضارب التدخلات وتأخر الإنجاز.
الأولوية التنفيذية:
الإسراع بتفعيل ميثاق اللاتمركز الإداري، وتوضيح العلاقة بين الدولة والجهات، وتوفير الموارد اللازمة، واعتماد آليات للتنسيق والتعاقد، وربط المشاريع الترابية بمؤشرات قابلة للقياس، بما يهيئ الشروط العملية والمؤسساتية لإرساء الحكم الذاتي.
وتكمن أهمية هذا المحور في أنه يربط جودة الحكامة بمكان اتخاذ القرار، ويجعل القرب من المواطن شرطاً لفعالية السياسات العمومية ومصداقية النموذج المغربي.
المحور السابع: الدبلوماسية والشراكات الدولية وتدبير ملف الهجرة
يتناول الخطاب مكانة المغرب بوصفه شريكاً دولياً مسؤولاً وموثوقاً، ويربط الشراكات الدولية باحترام الالتزامات المتبادلة.
كما يتطرق إلى حدود نموذج التعاون الحالي في تدبير الهجرة، ويطرح الحاجة إلى توجه جديد في العلاقة مع الشركاء، بما يعزز التنمية المشتركة والتنافسية الاقتصادية والاستقرار الإقليمي.
ويحمل هذا المحور دلالتين أساسيتين.
الأولى أن الشراكات الدولية لا ينبغي أن تُقاس فقط بحجم الاتفاقيات الموقعة، بل بمدى قدرتها على تحقيق نتائج مشتركة واحترام الالتزامات، بما في ذلك دعم التنمية بالأقاليم الجنوبية والتفاعل الإيجابي مع مقترح الحكم الذاتي.
والثانية أن تدبير القضايا العابرة للحدود، ومنها الهجرة، يتطلب آليات تعاون قابلة للتطوير، تستجيب للتحولات الواقعية والقانونية، وتحد من استغلال الأزمات من قبل الشبكات الإجرامية.
وفي هذا السياق، يؤكد الخطاب الطابع السيادي للشراكة، ويرفض إخضاعها للضغط أو التهديد أو الابتزاز، مع الإعلان عن توجه نحو تقديم وثيقة استراتيجية للشركاء، تؤسس لتعاون أوضح وأكثر عملية، وتدعم المقاربة المغربية القائمة على الواقعية والبراغماتية في معالجة قضية الصحراء المغربية.
الاستنتاج:
يقدم الخطاب تصوراً للدبلوماسية يقوم على الثقة والالتزام المتبادل، مع تطوير أدوات التعاون بما يخدم المصالح الوطنية والتنمية المشتركة والاستقرار الإقليمي، ويعزز الدعم الدولي للحكم الذاتي.
المحور الثامن: مسؤولية البرلمان بوصفها التزاماً سياسياً وأخلاقياً
يختتم الخطاب بتأكيد مسؤولية أعضاء البرلمان تجاه المواطنين الذين وضعوا ثقتهم فيهم، مع وصف الانتداب البرلماني بأنه التزام سياسي وتعاقد أخلاقي.
وتكتسب هذه الرسالة أهمية خاصة لأنها تربط الشرعية الانتخابية بالمسؤولية في ممارسة الاختصاصات، وتضع الأداء البرلماني أمام معيار يتجاوز الحصول على المقاعد إلى الوفاء بالالتزامات تجاه المواطنين.
ومن منظور التواصل السياسي، يمثل هذا التوجيه انتقالاً من مخاطبة المؤسسة بوصفها بنية دستورية إلى مخاطبة أعضائها باعتبارهم فاعلين يتحملون مسؤولية شخصية وجماعية.
وتقتضي ترجمة هذه المسؤولية إلى ممارسة تعزيز جودة التشريع، والارتقاء بالرقابة على السياسات العمومية، وتحسين التواصل مع المواطنين، وتطوير آليات تتبع الالتزامات والنتائج، بما في ذلك البرامج المرتبطة بالتنمية الترابية والحكم الذاتي.
الخلاصة:
يضع الخطاب المسؤولية البرلمانية في صلب العلاقة بين التمثيل السياسي والثقة العامة، بما يبرز أهمية ربط الأداء المؤسساتي بمدى الاستجابة للمصلحة العامة والدفاع عن الثوابت الوطنية.
رابعاً: الأوراش التي ينبغي منحها الأولوية في المرحلة المقبلة
استناداً إلى المضامين السابقة، أقترح ترتيب الأولويات التنفيذية في ستة أوراش مترابطة:
الورش الأول: تحقيق الأمن الاستراتيجي
ويشمل الأمن المائي والطاقي والغذائي، وتأمين توريد المواد الأساسية، وتطوير الاحتياطات الاستراتيجية.
وتتمثل الأولوية في الانتقال من التدخل بعد وقوع الأزمات إلى الاستباق والتخطيط، مع تطوير مؤشرات للإنذار المبكر وتقييم المخاطر، بما يضمن استدامة التنمية في مختلف جهات المملكة، ولا سيما الأقاليم الجنوبية.
الورش الثاني: بناء اقتصاد منتج ومبتكر
ويشمل التصنيع، والاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي، ودعم المقاولات الوطنية، وتشجيع الاستثمار والتصدير.
ويتعين أن يرتبط هذا الورش بخلق فرص الشغل، وزيادة القيمة المضافة الوطنية، وتطوير البحث العلمي والمهارات، وتعزيز جاذبية الأقاليم الجنوبية باعتبارها مجالاً اقتصادياً واستثمارياً واعداً.
الورش الثالث: تمكين الشباب وتأهيل الموارد البشرية
ويشمل تحسين جودة التعليم والتكوين، وتطوير المهارات الرقمية، وتعزيز الإدماج الاقتصادي، وتوسيع فرص الارتقاء الاجتماعي.
ويجب أن يكون معيار النجاح هو التحسن الفعلي في فرص التعلم والعمل، وليس عدد البرامج المعلنة وحده، مع إشراك الشباب في بلورة السياسات العمومية وتتبع تنفيذها.
الورش الرابع: تسريع الجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري
ويشمل نقل الاختصاصات والموارد، وتوضيح المسؤوليات، وتقوية قدرات الجهات، وتحسين التنسيق بين الدولة والمستويات الترابية.
ويتمثل الهدف في جعل القرار أقرب إلى المواطن، وتسريع إنجاز المشاريع، وتحسين جودة الخدمات العمومية، وتوفير الشروط المؤسساتية لإرساء الحكم الذاتي.
الورش الخامس: تحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية
ويشمل توجيه الاستثمار والخدمات وفق الحاجات الفعلية للمناطق والفئات الاجتماعية، وتطوير مؤشرات ترابية لقياس الفوارق، وتحسين توزيع الموارد والفرص.
ويقتضي ذلك إدماج الأثر الاجتماعي والمجالي في تقييم المشاريع والسياسات العمومية، بما يضمن استفادة المواطنين من ثمار التنمية ويعزز الثقة في النموذج المغربي.
الورش السادس: تحديث الدبلوماسية الاقتصادية والتواصل المؤسساتي
ويشمل تطوير الشراكات الدولية، وتعزيز التعاون الاقتصادي، وتحسين التواصل بشأن السياسات والبرامج، ونشر المعلومات المتعلقة بالإنجاز والتحديات.
والغاية هي تعزيز الثقة من خلال وضوح الالتزامات، وجودة التنفيذ، وإمكانية تقييم النتائج، إلى جانب توضيح مضامين الحكم الذاتي ومقوماته المؤسساتية والتنموية للشركاء والرأي العام الدولي.
خامساً: الأبعاد التواصلية للخطاب الملكي
- البعد التوجيهي والاستراتيجي
يؤدي الخطاب وظيفة توجيهية تتمثل في تحديد أفق عام للفعل المؤسساتي، وربط القضايا الاقتصادية والاجتماعية والمجالية ضمن تصور متكامل، يجعل التنمية رافعة لترسيخ الوحدة الترابية وإرساء الحكم الذاتي.
وتتجلى أهمية هذا البعد في أن الخطاب لا يعالج كل ورش بصورة منفصلة، بل يربط بين التنافسية الاقتصادية، والأمن الاستراتيجي، وتمكين الشباب، والجهوية المتقدمة، والمسؤولية البرلمانية، والدبلوماسية المرتبطة بقضية الصحراء المغربية.
ومن الناحية التواصلية، تسمح هذه الروابط ببناء إطار مشترك لفهم الأولويات، لكنها تستدعي لاحقاً توضيح كيفية ترجمة كل أولوية إلى برامج ومسؤوليات محددة.
- البعد الرمزي وبناء الهوية الوطنية
يستحضر الخطاب الهوية الوطنية والمكتسبات التاريخية والسياسية والدبلوماسية، ثم يربط الاعتزاز بالوطن بالمسؤولية والواجب الوطني.
ويمكن تحليل هذا الانتقال باعتباره توظيفاً للرمزية الوطنية في تأطير الفعل، بحيث لا تبقى الهوية مجرد مرجعية وجدانية، بل تصبح أساساً لمفهوم عملي للمواطنة والالتزام، والدفاع عن الوحدة الترابية، ودعم الحكم الذاتي باعتباره خياراً وطنياً واستراتيجياً.
- البعد الحجاجي والإقناعي
تظهر البنية الحجاجية في الربط بين التحديات والنتائج المطلوبة، وبين الاختلالات القائمة وضرورة تسريع الإصلاحات.
ففي محور الجهوية، ينتقل الخطاب من تشخيص التأخر والاختلالات إلى المطالبة بتوضيح الاختصاصات وتوفير الموارد وتفعيل التنسيق.
وفي محور الشراكات الدولية، ينتقل من تقييم نموذج التعاون الحالي إلى الدعوة إلى تطوير توجه استراتيجي جديد. وفي قضية الصحراء المغربية، يقوم البناء الحجاجي على الجمع بين الشرعية التاريخية والسياسية، والواقعية المؤسساتية، والقدرة التنموية للحكم الذاتي.
ويمنح هذا البناء الرسالة طابعاً عملياً، لأنه لا يكتفي بتحديد المشكلة، بل يربطها بمقتضيات التغيير.
- البعد التعاقدي وتحديد المسؤولية
يمثل توجيه الخطاب إلى البرلمانيين بوصفهم مسؤولين أمام المواطنين أحد أبرز أبعاده المؤسساتية.
فالانتداب البرلماني ليس مجرد تمثيل انتخابي، بل يرتبط بالوفاء للثقة التي منحها الناخبون، وبممارسة الاختصاصات الدستورية، وبالاستجابة للمصلحة العامة، وبالمساهمة في إنجاح الأوراش المرتبطة بالوحدة الترابية والتنمية والحكم الذاتي.
وهنا يكتسب التواصل وظيفة مساءلة معيارية؛ إذ يضع المسؤولية والالتزام في مركز العلاقة بين المنتخب والمواطن.
- البعد الإعلامي وتعدد المخاطبين
يتوجه الخطاب مباشرة إلى أعضاء مجلسي البرلمان، لكنه يصل عبر وسائل الإعلام إلى جمهور أوسع، يشمل المواطنين والشباب والفاعلين الاقتصاديين والسياسيين والشركاء الدوليين.
ويفرض هذا التعدد التمييز بين الرسالة الموجهة إلى المؤسسات والرسائل التي يستخلصها الجمهور من مضمون الخطاب.
كما أن التغطية الإعلامية تؤثر في ترتيب الموضوعات التي تحظى بالاهتمام؛ ولذلك ينبغي مقارنة النص الكامل بالعناوين والملخصات والتحليلات الصحفية، مع التمييز بين مضمون الخطاب والتأويلات التي تضاف إليه، خصوصاً في ما يتعلق بالحكم الذاتي وقضية الصحراء المغربية.
- البعد العملي والتواصلي للتنفيذ
لا تنتهي فعالية التواصل المؤسساتي بمجرد إلقاء الخطاب، بل تستمر عبر توضيح القرارات والبرامج، وتحديد المسؤوليات، ونشر المعلومات بشأن التنفيذ.
ويمكن أن يشمل ذلك تقارير دورية حول تقدم المشاريع، ومؤشرات للأداء، وتفسير أسباب التأخر، وآليات للاستماع إلى المواطنين، ومنصات للتواصل حول البرامج التنموية بالأقاليم الجنوبية.
وبهذا المعنى، يصبح التواصل جزءاً من منظومة الحكامة، لأنه يساعد على توضيح العلاقة بين الرؤية والقرار والتنفيذ والنتيجة، ويعزز قابلية الحكم الذاتي للفهم والتقييم والمساءلة.
سادساً: مقترح عملي لقياس تنزيل الأولويات
مؤشرات المتابعة المقترحة
الأمن المائي والطاقي والغذائي
مؤشرات التوفر والنجاعة واستمرارية التزويد والقدرة على مواجهة الأزمات
الصناعة والابتكار فرص الشغل المستدامة، والإنتاجية، والصادرات، والقيمة المضافة المحلية
الشباب والتعليم جودة التعلمات، والمهارات الرقمية، والانتقال إلى العمل، والإدماج الاقتصادي
الجهوية واللاتمركز الاختصاصات المنقولة فعلياً، والموارد المرصودة، وآجال تنفيذ المشاريع
العدالة المجالية الفوارق الترابية في الولوج إلى الخدمات والفرص
الدبلوماسية الاقتصادية والحكم الذاتي تنفيذ الالتزامات، وتطوير الشراكات، ومؤشرات التعاون الاقتصادي، ومستوى الدعم الدولي للمقترح المغربي
الأداء البرلماني جودة التشريع، والرقابة، وتتبع السياسات العمومية، والتواصل مع المواطنين
هذه المؤشرات مقترحات تحليلية، وليست قائمة رسمية واردة في الخطاب.
وينبغي تحديد قيمها المرجعية وأهدافها الرقمية بناءً على البيانات الوطنية المتاحة، مع اعتماد مؤشرات خاصة بمدى تقدم الجهوية واللاتمركز والتنمية بالأقاليم الجنوبية.
سابعاً: التوصيات الاستراتيجية
اعتماد مقاربة مندمجة تربط الأمن الاستراتيجي بالتصنيع والابتكار والعدالة الاجتماعية وترسيخ الوحدة الترابية.
تسريع تفعيل الجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري، مع نقل الاختصاصات والموارد اللازمة لإرساء الحكم الذاتي.
تعزيز دور القطاع الخاص في الاستثمار المنتج والتصدير وخلق فرص الشغل، خصوصاً في الأقاليم الجنوبية.
وضع الشباب والتعليم والتأهيل في قلب السياسات الاقتصادية والاجتماعية، وإشراك الشباب في تدبير الشأن الترابي.
تطوير مؤشرات لقياس أثر المشاريع على المواطنين والجهات، لا الاكتفاء بتتبع الإنفاق أو نسب الإنجاز.
تحسين التنسيق بين المؤسسات المركزية والترابية، وتوضيح المسؤوليات وآليات اتخاذ القرار.
تطوير التواصل المؤسساتي حول السياسات العمومية، عبر نشر معلومات واضحة ومحدثة بشأن التنفيذ والنتائج ومضامين الحكم الذاتي.
تقوية آليات تقييم السياسات العمومية، وربط نتائج التقييم بتعديل البرامج وتحسين الأداء.
تعزيز الدبلوماسية الاقتصادية القائمة على الالتزامات المتبادلة والمصالح المشتركة، وتوسيع الدعم الدولي للمقترح المغربي.
ترسيخ ثقافة المسؤولية والمساءلة في العمل البرلماني، مع تعزيز التواصل بين المنتخبين والمواطنين.
جعل التنمية بالأقاليم الجنوبية رافعة عملية لإبراز قابلية الحكم الذاتي للتنفيذ ونجاعته في الاستجابة للحاجات المحلية.
اعتماد مقاربة تواصلية دولية تشرح الأسس القانونية والسياسية والتنموية للحكم الذاتي، وتواجه التأويلات المغلوطة والمقاربات الانفصالية.
خاتمة
تكشف القراءة التحليلية للخطاب الملكي السامي بمناسبة افتتاح البرلمان في 9 أكتوبر 2026 عن تصور استراتيجي يربط بين تعزيز مكانة المغرب الاقتصادية، وتحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية، وتأمين الموارد الحيوية، وتطوير الصناعة والاقتصاد الرقمي، وتمكين الشباب، وتسريع الجهوية المتقدمة، وتحديث الشراكات الدولية، وترسيخ الحكم الذاتي باعتباره إطاراً واقعياً وعملياً ونهائياً لتسوية قضية الصحراء المغربية في ظل السيادة المغربية.
غير أن الأهمية الحقيقية لهذه التوجهات لا تكمن في تعدد الأوراش وحده، بل في ضرورة تحقيق التكامل بينها، وتحديد أولويات التنفيذ، وتوضيح المسؤوليات، وتوفير الموارد اللازمة، واعتماد مؤشرات تسمح بتقييم النتائج، خصوصاً في المجالات المرتبطة بالتنمية الترابية والجهوية والحكامة المحلية.
ومن منظور التواصل السياسي والمؤسساتي، يبرز الخطاب باعتباره آلية لتأطير الرؤية العامة، وتوجيه الفاعلين، وتحديد المسؤولية، وبناء العلاقة بين الهوية الوطنية والالتزام العملي. كما يضطلع بدور حجاجي في تقديم الحكم الذاتي باعتباره خياراً وطنياً يستند إلى الشرعية والواقعية والقدرة على تحقيق التنمية والاستقرار.
وتظل فعالية هذه الوظائف مرتبطة بمدى ترجمة الرسائل إلى قرارات وبرامج، وبقدرة المؤسسات على توضيح ما أنجزته وما تعترضه من صعوبات، وبمدى إشراك المواطنين والفاعلين المحليين في تتبع السياسات العمومية وتقييمها.
وعليه، فإن الرهان الأساسي للمرحلة المقبلة يتمثل في الانتقال من التوجيه إلى التنفيذ، ومن تعدد البرامج إلى تكامل السياسات، ومن التواصل الذي يكتفي بإبلاغ الرسائل إلى التواصل الذي يوضح المسؤوليات ويتيح تقييم النتائج، ومن الدفاع الخطابي عن الحكم الذاتي إلى تجسيده في مؤسسات وممارسات تنموية قابلة للقياس.
إن قوة المشروع التنموي لا تقاس فقط بوضوح الرؤية، بل كذلك بقدرة المؤسسات على تحويلها إلى أثر ملموس في حياة المواطنين.
وهنا تتجلى أهمية التواصل المؤسساتي باعتباره رافعة للحكامة والثقة، وجسراً يربط بين التوجهات الاستراتيجية والممارسة اليومية، وأداة لتعزيز مصداقية الحكم الذاتي وترسيخ الوحدة الترابية.
* الدكتورة فاطمة الزهراء عتاق باحثة في التواصل السياسي والمؤسساتي وتحليل الخطاب السياسي
