تتوسع دائرة النقاش في ملف “البروفيسور” رشيد شرقاب، الأستاذ الجامعي وطبيب التخدير والإنعاش بالمركز الاستشفائي الجامعي ابن رشد بالبيضاء، وتتخذ أبعادا أقرب إلى “قضية رأي عام”.
ومنذ صدور حكم الإدانـ ـة، وإيقاف الطبيب من وسط قاعة المحكمة الزجرية بعين السبع، بتهم تتعلق بـ “التشـ ـهير” و”انتحال صفة منظمة قانونا”، انطلقت حملات التعاطف مع الدكتور شرقاب، وانخرط إعلاميون ومؤثرون وجمعيات وأحزاب وفعاليات نقابية وحقوقية ومدنية في الحملة نفسها، مؤطرين بسؤال واحد بصيغ مختلفة: “ماذا يجري هناك يا سادة؟”.
أما نحن، فنقول، دون لف أو دوران، إن قضية “البروفيسور” شرقاب تضع ضمانات المحاكمة العادلة على المحك للأسف، والمطلوب، على وجه السرعة، كشف الحقيقة وتحديد المسؤوليات، حتى تتوقف كرة الثلج عن التدحرج والدوران، فكلما تدحرجت، أخذت حجما أكبر.
فلا أحد مستفيد، في سياقنا الوطني الحالي، أن تتعرض ثقة المواطنين في عدالتهم إلى الاهتزاز، وهي آخر القلاع الحصينة، بعد أن اهتزت قلاع أخرى في انتخابات 2026، وجاءت النتائج ونسب المشاركة مخيبة للآمال.
كما لا يرغب مغربي، على الإطلاق، أن تتحول قاعات المحاكم إلى مصدر قلق وأسئلة مؤلمة، بدل أن تكون ملاذا للإنصاف وحماية الحقوق، وهي السمة التي ظلت دائما تميز قضاءنا المستقل والنزيه، وترفع من شأنه.
لكن، ينبغي أن نقول، أيضا، إن واقعة إيقاف “البروفيسور” شرقاب من داخل قاعة المحكمة، عقب صدور حكم ابتدائي، لا يمكن المرور عليها بصمت، وتستوجب توضيحا قانونيا دقيقا، سيما أن القضية لم تستنفد بعد جميع مراحل التقاضي.
لا يجب أن يفهم كلامنا، أو يؤول باعتباره دفاعا عن شخص فوق القانون، أو مصادرة سلطة القضاء في إصدار أحكامه، لكن سنظل ندافع عن مبدأ دستوري لا يقبل المساومة، وهو أن الأصل في الإنسان البراءة، والحرية حق وسلبها لا يكون إلا وفق القانون وضماناته.
ومن هنا نشترك معكم أيها السادة في عدد من الأسئلة المطروحة على نطاق واسع، تتعلق، أولا، بالسند القانوني لإيقاف “البروفيسور” من داخل القاعة، وهل توافرت الشروط المسطرية التي تجيز التنفيذ الفوري للحكم؟ وهل احترمت حقوق الدفاع والضمانات القانونية؟ أسئلة مشروعة لا يكفي للرد عليها التذرع بهيبة القضاء، لأن هيبة العدالة تصان بالتعليل والشفافية واحترام القانون.
والأكثر إثارة للقلق أن “البروفيسور” سبق أن تقدم بشكايات إلى جهات قضائية مختصة، أثار فيها ادعاءات بشأن اختلالات وخروقات. فما مصير تلك الشكايات؟ وهل جرى التحقيق في مضمونها؟ وهل توجد علاقة بينها وبين المتابعات التي واجهها؟
لا نجزم بوجود تجاوزات، لكننا نرفض أن تبقى هذه الأسئلة معلقة دون أجوبة.
إننا نطالب بتحقيق جدي ومستقل، وفق الاختصاصات القانونية، في ظروف وملابسات الإيقاف وفحص الخروقات المسطرية المثارة وتحديد المسؤوليات وترتيب الجزاءات متى ثبتت المخالفات.
لذلك، نرجو أن تتسع العدالة إلى ملتمس عدد من المغاربة بإطلاق سراح الطبيب شرقاب وتمتيعه بالحرية، وفق ما يتيحه القانون والإنصاف لكل من انتهكت حقوقه، ولا أحد فوق القانون، ولا تحته أيضا.
رسالتنا واحدة: لا تسمحوا بأن تجرح العدالة باسم العدالة.
*الدكتور خالد الحري رئيس تحرير صحيفة الصباح
