مع بروز عاصفة ليوناردو التي تتأثر بها حاليا مناطق شمال وغرب المغرب، تزايد الفضول المعرفي حول سر هذه التسميات ومن يقف وراءها وكيف يتم تقسيم العالم جغرافيا لمواجهة هذه الأنهار الجوية، التي هي عبارة عن أروقة هوائية ضيقة وشديدة الرطوبة تنقل كميات هائلة من المياه في السماء.

يعود تاريخ تسمية العواصف بشكل منظم إلى عام 1953 في الولايات المتحدة حيث كان الهدف الأساسي هو تيسير التواصل بين مراكز الأرصاد والجمهور.

فمن الناحية التواصلية يسهل على المواطن تذكر اسم ليوناردو أو دانيال والتعامل معه كخطر داهم بدلا من الأرقام والإحداثيات الجغرافية الجافة.

وفي أواخر السبعينيات اعتمدت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية مبدأ المناصفة والتناوب بين أسماء الذكور والإناث لتصبح هذه القوائم جزءاً من بروتوكول اليقظة العالمي.

تُدار هذه العملية عبر تقسيم كوكب الأرض إلى أحواض مائية وجغرافية حيث تضع كل مجموعة من الدول قائمة أسماء مرتبة أبجديا من A إلى Z قبل بداية الموسم الجوي.

نحن في المغرب ننتمي لمجموعة جنوب غرب أوروبا التي تضم كلا من المغرب وإسبانيا والبرتغال وفرنسا وبلجيكا.
وهذه المجموعة هي التي أطلقت اسم ليوناردو، وهو اسم مذكر يبدأ بحرف L، وهو الحرف رقم 12 في القائمة نظرا لنشأة العاصفة في المحيط الأطلسي وتوجهها نحو هذه الدول، يأتي بعده في الترتيب اسم مؤنث يبدأ بحرف M،  هو مارطا Marta، وهو العاصفة المدرجة في الترتيب ضمن القائمة.

أما عاصفة دانيال الشهيرة التي ضربت ليبيا سنة 2023 وتسببت في انهيار سدين في مدينة درنة الليبية التي غرقت بالكامل،  فقد حملت اسما من قائمة مجموعة جنوب شرق أوروبا والمدار المتوسطي التي تضم اليونان وقبرص، وهو ما يفسر اختلاف الأسماء رغم تقارب المناطق جغرافيا، إذ لكل حوض مناخي قائمة بأسماء خاصة تعكس لغات وثقافات الدول الأعضاء فيه.

ما ينبغي معرفته في هذا الإطار، أنه لا يتم إطلاق الاسم على أي منخفض جوي إلا إن كان يشكل خطرا يستوجب رفع مستوى الإنذار إلى اللون البرتقالي أو الأحمر، وهو ما يعني رياحا قوية أو تساقطات مطرية غزيرة.
وعندما تكون العاصفة مدمرة بشكل كارثي يتم سحب اسمها نهائيا من القوائم الدولية احتراما للضحايا كما حدث مع إعصار كاترينا الشهير الذي انطلق من جزر الباهاماس في غشت 2005 ليضرب سواحل الولايات المتحدة الأمريكية مخلفا دمارا واسعا وخسائر بشرية فادحة جعلت من اسمه رمزا لواحدة من أقسى الكوارث الطبيعية في التاريخ الحديث.

إن هذا النظام العالمي الموحد هو الذي يمنح السلطات المحلية زمن الاستباق. فبمجرد إعلان الاسم تبدأ آليات اليقظة الهندسية والتواصلية في التحرك تماما كما رأينا في التدبير الاستباقي لفيضانات القصر الكبير، وهو النجاح الميداني الذي أكدته المقارنات الدولية مع دول الجوار، حيث شهد مجلس النواب في البرتغال احتجاجات قوية من طرف المعارضة التي اتهمت الحكومة بالتقصير لعدم قيامها، مثل ما حدث في القصر الكبير، بعمليات إجلاء استباقي في المناطق المتضررة، مما تسبب في زهق عشرة من الأرواح البشرية.

وفي السياق ذاته عاش إقليم قادش بجنوب إسبانيا ظروفا جد صعبة بعدما اضطرت السلطات هناك للقيام بعمليات إجلاء متأخرة وتحت ضغط المياه والوقت.

إن إخلاء مدينة بكاملها في المغرب وفي مدة قياسية وإقناع أكثر من مئة وثلاثين ألف مواطن بمغادرة بيوتهم حفاظا على أرواحهم هو أمر لم يسبق له مثيل في المغرب ولا شك أنه سيبقى حدثا مسجلا في تاريخ المملكة يدل على حرص الدولة المغربية الأكيد على الحفاظ على أرواح شعبها وجعلها فوق كل اعتبار لتظل التجربة المغربية في التنبؤ والتحرك القبلي السريع نموذجا يحتذى به في حماية الرأسمال البشري أمام جبروت الطبيعة.. وهذا ما كان.

أحمد الدافري / كاتب صحفي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *