“الحماميص.. الحماميص سخونة.. الحماميص”. هكذا كان بائع “حمص” مسلوق يعلن عن سلعته، في مقبرة الغفران، بالدار البيضاء، بينما كانت صغيرتان ترددان، غير بعيد منه، “حماميص.. حماميص”، وهما تنتظران أن تشتري لهما أمهما بعضا من ذلك “الحمص الساخن”، عساه يسد الجوع، ويمدهما ببعض الدفء، في أول يوم من السنة الجديدة.
وفي الجانب الآخر، خلف السور، تمتد القبور، تحفها الخضرة، وتظهر، هنا وهناك، مياه راكدة، ووحل، وأزبال، ومتسولون، وباعة أيضا.
توحي البوابة الحديدية التي أنشئت في مدخل مقبرة الغفران، بالدار البيضاء، ورجال الأمن الخاص، ببدلاتهم الموحدة، أن هنالك جديدا في التدبير والتسيير.
غير أن مجرد نظرة إلى أمتار بالداخل، حيث كلاب سائبة، وأزبال، وأتربة، ومتسولون، و”كوتشيات”، و”موطورات” لنقل بعض الزوار، تؤكد لك أن الأمور ما تزال على حالها.
أما حين تتقدم نحو المقبرة، فتلك حكاية أخرى. فبينما تحاول أن تتذكر دعاء المقابر، وأنت ترى أمامك قبورا عن اليمين وعن الشمال، تبدأ فصول التشويش، بمن يعرض عليك نقلك إلى الداخل بـ”الموطور”، ومن يسابقه ليعرض عليك “الكوتشي”، ومن يسألك إلحافا أن تمده بدراهم، ومن يتابع المشهد، محاولا استبطان وجهتك، ليقدم لك عرضا آخر تماما، يتعلق بغسل القبر، أو تنظيفه من الشوائب.
تمتد مقبرة الغفران على مساحة 135 هكتارا. وهي ممتلئة تقريبا، بحوالي 35 ألف دفين ودفينة؛ فضلا عن الأطراف المبتورة. فمنذ سنة 1989 وهي تستقبل حوالي 60 جثمانا، كل يوم.
والحال أنها ما تزال تستقبلهم حاليا، بحيث شرع في الدفن على هوامش المدافن، وفي أمكان لم يظن أحد، من قبل، أنها ستصبح هي الأخرى مملوءة، إذ صارت القبور أقرب من البوبة الرئيسية.
ومع أن عمال الشركة الجديدة، التي أقرها مجلس المدينة، راحوا ينظفون المكان من الأزبال، ويجمعونها في أكياس للقمامة، صباح الخميس الأخير، إلا أن المقبرة كانت ملئى بالأزبال، بحيث أينما وليت وجهك تراها. أما ما زاد الصورة بؤسا، فهي تلك الأوحال التي تشكلت بفعل الأمطار الكثيفة المتساقطة طيلة الأيام الماضية، وجاءت بكثيرين لكي يطمئنوا على أحبابهم المدفونين في مقبرة الغفران، لاسيما وقد تابع معظمهم “فيديوهات” على منصات التواصل الاجتماعي، تنقل مشاهد تؤلم القلوب، لقبور هوت أتربتها، أو أخرى طفت على البرك، وغيرها أحاط بها الوحل، فكيف الوصول إليها؟.
وسواء تعلق الأمر بالجانب الحديث من المقبرة أو الآخر القديم، فوحده الأسفلت الذي يقودك إلى المدافن يبدو بحالة يمكن التغاضي عنها. بقية الأشياء مخلجة، حقا. فالأزبال في كل مكان، بحيث تتراكم في بعض الهوامش إلى الحد الذي يجعلها مزعجة تماما.
أما الوحل، المترتب عن الأمطار الأخيرة، فيغلق المعابر. وشهودت سيدة وزوجها وهما ينظفان حذاء ابنهما الصغير، وقد ملأه الوحل، فيما كان الصبي ينظر إلى مكان آخر حيث يتسابق “فقيه” وشبان آخرون، أولهم يريد أن يقرأ قرآنا، بثمن، والآخرون يريدون تنظيف القبر، بمقابل أيضا.
في مقبرة الغفران شيء واحد مفقود. هو الصمت.
فبينما يرغب الزوار في لحظات حميمية للتأمل، والدعاء، وذرف دموع مخبأة، يجدون أنفسهم مشغولين بتخطي الأزبال، والأوحال، والبحث المضني عن القبر، والتخلص من متسول أو متسولة بدريهمات، وتحاشي أحدهم يعرض شيئا ما، ثم شراء زجاجة “ماء زهر” وقنينة ماء كبيرة؛ قد يتعطف أحد الباعة، ممن يضعون بضاعتهم على قارعة الطريق، فيهبها مجانا.
يقول أحدهم، وهو يتجنب الوحل، ليصل إلى قبر غير بعيد: “يبدو أن موتانا محظوظين، فرغم وفرة المطر هذه الأيام لم يقع ما حدث سنة 2021. أو ربما لم يقع بالسوء نفسه”، ثم يبدأ في تذكر ما حدث تلك السنة، ويقول:”غمرت المياه القبور، أو معظمها، وهوى بعضها، وتناقل الناس تلك الصور والفيديوهات، ثم ضجت مقبرة الغفران بالزوار، حيث اضطر الجميع أن يسور القبر الذي يعنيه، ويبني عليه، لكي يحفظه من فيضان آخر”.
يقول مولاي أحمد افيلال، نائب عمدة الدارالبيضاء، إن تسيير مقبرة الغفران يقع الآن تحت مسوؤلية “كازا بيئة”، فيما ميزانيتها تحتاج إلى تجديد المجلس. ثم زاد، في تصيح للصحراء المغربية، إن الشركة ستجري بعض الإصلاحات، بعد اجتماع لها مع السيد الوالي، وهو الاجتماع الذي قالت فيه السيدة العمدة إن ما شاهدناه في منصات التواصل الاجتماعي، وإن كانت المقبرة تابعة للجماعات كلها، لا يمثل الدارالبيضاء، وهي صور ومشاهد مشينة”، وختم بالقول: “في كل الأحوال، يتعين البدء بالعمل في المقبرة الجديدة، مقبرة الإحسان”.
عند المغادرة، وبما أن المقبرة لا تتوفر على “باركينغ”، بل حراس يحاول كل منهم جذب الزائر إليه، ليحصل على دريهمات، فإن الوضع في الخارج يتحول، مع مرور الوقت، وتوافد الناس، إلى فوضى حقيقية، قد تتحول مع حادثة بسيطة، أو شنآن بين سائقين، إلى معضلة كبيرة، بحيث يلزمك انتظار ساعة أو أكثر كي ترحل في سلام.
على بعد عشرات الأمتار من المقبرة، التي يمتد سورها، وقد ثقبه بعضهم ليجد له مدخلا قريبا، تطالعك بناية جميلة جدا، كتب عليها “قاعة للأفراح”، ثم يبرز حي بعمارات من أربعة طوابق، لعل أغلب من يسكنون فيها يطلون على القبور من فوق، ولا يعجبهم أيضا حالها، رغم كل تلك الخضرة التي تملأ المكان، بفعل موسم مطير.
*يونس الخراشي| الصحراء المغربية
