في عام إنتخابي، لم يكن المؤتمر الأخير لحزب الاتحاد الاشتراكي محطة تنظيمية عادية، بقدر ما كانت تداعياتها أزمة صامتة عنوانها “التآكل الهاديء”.

إعادة انتخاب الكاتب الأول إدريس لشكر، لولاية رابعة لم تمر دون ارتدادات داخلية، سواء عبر انتقادات صريحة أو عبر مواقف أكثر تحفظاً اتخذت شكل صمت ثقيل، أو مغادرة أسماء وازنة من قبيل المخضرم عبد الهادي خيرات.

ورغم أن المسار الانتخابي داخل المؤتمر احترم المساطر التنظيمية، فإن النقاش الذي أعقب التمديد لم يكن قانونياً بقدر ما كان سياسياً وأخلاقياً.

لقد طُرحت أسئلة تتجاوز الشخص نحو طبيعة المرحلة: هل يتعلق الأمر بضمان الاستمرارية في ظرف سياسي صعب؟ أم أن الحزب يؤجل مجدداً لحظة التداول الضروري لتجديد النخب والصورة؟.

في الحقيقة، لا تبدو الأزمة داخل الاتحاد صاخبة كما في محطات سابقة من تاريخه، لكنها أقرب إلى ما يمكن وصفها بـ”التآكل الصامت”.

انتقادات داخلية، تحفظات غير معلنة، انسحاب تدريجي لبعض الأطر، وفتور تعبوي في قطاعات كانت تقليدياً تشكل عمقه التنظيمي (النقابة العاملية/ الصحافة الحزبية).

اللافت أن عدداً من الأصوات المنتقدة لا تهاجم الخط السياسي بقدر ما تركز على سؤال الحكامة الداخلية، وآليات اتخاذ القرار، وحدود التداول على القيادة. وهو ما يجعل الأزمة أقرب إلى أزمة ثقة داخلية منها إلى انشقاق إيديولوجي.

في هذا السياق، جاءت “رسالة الاتحاد” المنشورة قبل ساعات في جريدة الحزب لتؤطر المرحلة بخطاب يستحضر التاريخ النضالي، وسردية الصمود في وجه الاستهداف، ومحاولات “الاجتثاث” الرمزي والسياسي.

الرسالة تحاول نقل النقاش من سؤال القيادة إلى سؤال الوجود: الحزب، وفق هذا المنطق، مستهدف تاريخياً، وما يتعرض له اليوم ليس سوى حلقة جديدة في مسلسل قديم.

غير أن هذا الطرح، رغم وجاهته في استحضار الذاكرة النضالية، لا يجيب بشكل مباشر عن سؤال يطرحه جزء من الاتحاديين: كيف يمكن لحزب بنى جزءاً من هويته على الديمقراطية الداخلية أن يقنع بجدوى التمديد المتكرر؟.

من زاوية القيادة، قد يبدو خيار الاستمرارية مبرراً باعتبارات متعددة: تجنب صراعات داخلية حادة، الحفاظ على تماسك الحد الأدنى، تدبير مرحلة سياسية تتسم بصعود المال الانتخابي والشعبوية.

لكن في المقابل، هناك مخاطرة رمزية حقيقية.
فالصورة التي تتشكل لدى جزء من الرأي العام، وخاصة لدى الأجيال الجديدة يتقدمها جيل (Z)، قد تعزز الانطباع بأن الحزب يجد صعوبة في إنتاج بدائل داخلية، أو في فتح أفق تداول طبيعي على المسؤولية.

في خضم ذلك بات السؤال الأعمق يتجاوز مسألة الولاية الرابعة.

الاتحاد اليوم يواجه تحولات بنيوية في المشهد السياسي: تبدل الخريطة الاجتماعية للناخبين، صعود فاعلين جدد، تراجع الوساطة الحزبية التقليدية، توسع قاعدة الحزب الصامت معززا بشباب جيل (Z).

شباب جيل (Z) آ با دريس كسر مرآة النظر إلى سردية الشرعية التاريخية، بقدر ما يتطلع إلى أحزاب بقيادة “ولاد الوقت ” وقادرة على إنتاج برامج سياسية مرنة من أجل مغرب لا يسر بسرعتين.

في هذا السياق، تبدو الأزمة داخل الإتحاد، أقرب إلى أزمة تموقع ودور.. وإلا فما هو موقع الحزب في معادلة سياسية تتغير بسرعة؟.

وهل لا يزال قادراً على احتلال موقع “القوة الإصلاحية” الذي ميّزه تاريخياً؟.

وهل لا يزال يتملك ذلك الزخم الذي طبع مساره ما قبل حكومة التناوب التوافقي عام 1998؟.

هذه أسئلة من بين أخرى، تحاصر القيادة الحالية بزعامة (با دريس).

صحيح، أن المؤتمر منح القيادة شرعية تنظيمية واضحة.. لكن الشرعية السياسية تُختبر خارج القاعات المغلقة، في القدرة على استعادة الثقة، وجذب كفاءات جديدة، وبلورة خطاب يستجيب لتحولات المجتمع.. لا قفز شخصيات إتحادية من سفينة (با دريس)!!؟.

التحدي الحقيقي أمام إدريس لشكر وقيادة الاتحاد ليس فقط تدبير الاختلافات الداخلية، بل تحويل لحظة التمديد من عنوان للجدل إلى منطلق لإعادة البناء.

فإما أن ينجح الحزب في تحويل أزمته الصامتة إلى نقاش منتج يعيد الحيوية إلى جسده التنظيمي، وإما أن يتحول الصمت إلى نزيف بطيء يصعب تداركه مع اقتراب الاستحقاقات المقبلة.

المرحلة القادمة ستكون حاسمة.. ليس فقط لمستقبل القيادة الحالية، بل لموقع الاتحاد الاشتراكي نفسه داخل مشهد سياسي لم يعد يمنح الكثير من الفرص لمن يتأخر عن تملك القدرة على حسن التقاط الإشارات والقدرة على تحليل الرسائل، والرد في التايمينع السياسي المطلوب.

خاص / جريدة Le12.ma

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *