الحكم الصادر أخيراً عن المحكمة الإدارية في الرباط، والذي ألزم جماعة سلا بتعويض ضحية هجوم كلب ضال، ليس مجرد قرار قضائي، بل رسالة واضحة، مفادها أن حقوق المواطنين لا تسقط أمام الإهمال.

غيثة الباشا- le12

‎لم يعد حوادث هجوم الكلاب الضالة مجرد وقائع عابرة يتداول بشأنها في صفحات السوشل ميديا، بل تحوّلت إلى قضية مجتمعية تطرح أسئلة حقيقية حول السلامة العامة والمسؤولية القانونية. الحكم الصادر أخيراً عن المحكمة الإدارية في الرباط، والذي ألزم جماعة سلا بتعويض ضحية هجوم كلب ضال، ليس مجرد قرار قضائي، بل رسالة واضحة، مفادها أن حقوق المواطنين لا تسقط أمام الإهمال.

هذا الحكم، الصادر يوم 8 أبريل 2026، استند الفصل 79 من قانون الالتزامات والعقود، الذي يُحمّل الإدارة مسؤولية التقصير في أداء مهامها.
بمعنى آخر، عندما تفشل الجماعة الترابية في حماية المواطنين من خطر متوقع، كانتشار الكلاب الضالة، فإنها تتحمل تبعات ذلك قانونياً.
هنا لا نتحدث عن حادث عرضي، بل عن “خطأ مرفقي” ناتج عن غياب التدخل أو ضعفه.

القضية التي عرفها حي تابريكت بسلا أعادت تسليط الضوء على واقع يعيشه كثير من المواطنين يومياً.
في هذه المدينة كما في تلك، شوارع تعج بكلاب ضالة، وخوف دائم، خاصة لدى الأطفال والنساء.
ومع ذلك، ظل التعامل مع هذه الظاهرة في كثير من الأحيان موسميًا أو محدود الفعالية، رغم أن القانون، خاصة القانون التنظيمي للجماعات الترابيةيضع مسؤولية واضحة على عاتق الجماعات في تدبير المخاطر المرتبطة بالمجال الحضري.

الأهمية الحقيقية لهذا الحكم لا تكمن فقط في مبلغ التعويض (30 ألف درهم)، بل في مبدئه القاضي بربط المسؤولية بالمحاسبة. فحين يدرك المواطن أن بإمكانه اللجوء إلى القضاء واسترجاع حقه، وحين تعي الجماعات أن تقصيرها قد يكلفها مالياً وقانونياً، تتغير المعادلة.

لكن، هل يكفي التعويض؟

الجواب ببساطة: لا.

التعويض يأتي بعد وقوع الضرر، بينما المطلوب هو الوقاية قبل كل شيء.

وهنا يبرز الدور الحيوي للسياسات المحلية في اعتماد حلول مستدامة، مثل إحداث مراكز لإيواء الكلاب، وتعميم حملات التلقيح، واعتماد مقاربات إنسانية وعلمية بدل المعالجات الظرفية.

فالتجارب الدولية أظهرت أن الحل لا يكون بالإبادة، بل بالتدبير الذكي والمتواصل.

من جهة أخرى، يطرح الحكم بُعداً توعوياً مهماً، يحث المواطنين على توثيق الأضرار في حال التعرض لحوادث مماثلة، عبر تقارير طبية وشهادات، لأن القضاء يبني أحكامه على الإثبات.
فالقانون موجود، لكن تفعيله يتطلب وعياً بالحقوق.

في النهاية، هذا الحكم في درجته الابتدائية ليس انتصاراً لفرد فقط، بل خطوة نحو تكريس ثقافة ربط المسؤولية بالمحاسبة. وهو أيضاً دعوة صريحة للجماعات الترابية لتتحرك قبل أن تتحول شوارع المدن إلى فضاءات خطر، ودعوة للمواطنين لعدم الصمت عن حقوقهم.

لأن من عضّه كلب… ليس ضحية حظ عاثر، بل مواطن له حق، والقضاء كفيل بضمانه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *