لم تكن جلسات المحاكمة بقـاعة غرفة الجنايات الابتدائية المكلفة بجرائم الأموال بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء مجرد امتداد لما راج في مرحلة التحقيق في قضية “إسكوبار الصحراء”، بل حملت معها زخماً أكبر من التفاصيل، في ظل الكم الهائل من التصريحات والاتهامات المتبادلة بين المتهمين والشهود.

ومع توالي الجلسات، ظل الملف مفتوحاً على كل الاحتمالات، بين إنكار متواصل من طرف المتهمين، وإفادات مثيرة من الشهود، مقابل إصرار المحكمة على ضرورة تعزيز كل ادعاء بأدلة مادية دامغة.

في مستهل هذه المرحلة، طغت طلبات السراح المؤقت التي تقدم بها دفاع المتهمين، والبالغ عددهم 25، من بينهم المتهمان الرئيسيان في الملف، سعيد الناصيري، الرئيس السابق لنادي الوداد البيضاوي، وعبد النبي بعيوي، الرئيس السابق لمجلس جهة الشرق، وذلك في محاولة لتغيير وضعهم القانوني بعد أشهر من الاعتقال الاحتياطي.

غير أن إحدى الجلسات سرعان ما أخذت منحى أكثر إثارة، بعدما التمس سعيد الناصيري من هيئة المحكمة منحه الوقت الكافي للإدلاء بأقواله.

في تلك اللحظة، ارتفعت درجة الترقب داخل القاعة، حين أعلن أنه سيكشف معطيات غير مسبوقة، لم يدلِ بها لا أمام الفرقة الوطنية للشرطة القضائية ولا أمام قاضي التحقيق، مؤكداً أن ما سيقوله قد يقلب مجريات الملف.

وقال مخاطباً المحكمة: “أنا رهن إشارتكم، وسأتعاون تعاوناً كاملاً للوصول إلى الحقيقة… فقط امنحوني الوقت الكافي لذلك”، وهي العبارة التي زادت من منسوب التوتر، وفتحت الباب أمام تساؤلات جديدة حول ما قد تحمله الجلسات المقبلة.

وجاء هذا التطور اللافت بعد أن أسقطت غرفة المشورة جنحة خرق الأحكام المتعلقة بحركة وحيازة المخدرات داخل دائرة الجمارك، التي كانت تتابع بها النيابة العامة كلاً من الناصيري وبعيوي، ما أعاد ترتيب بعض معالم المتابعة داخل هذا الملف المعقد.

ومع استمرار المحاكمة، برزت لحظات أخرى مشحونة، خاصة خلال الاستماع إلى عبد النبي بعيوي، الذي بدا متأثراً في أكثر من مناسبة، إلى حد لم يتمالك معه دموعه في إحدى الجلسات، وهو ينفي بشكل قاطع كل ما ورد على لسان “المالي”، معتبراً تصريحاته “مزاعم متناقضة لا أساس لها”.

وأكد بعيوي، في معرض دفاعه، غياب أي دليل مادي يربطه بعمليات التهريب، متسائلاً بنبرة حادة: “فين هي المكالمات اللي كا تثبت هاد العلاقة، إذا كنت فعلاً مشرفاً على تهريب المخدرات؟”.

في المقابل، عرضت المحكمة عليه وقائع إضافية، من بينها اتهامات بالتنسيق مع سعيد الناصيري وبلقاسم لتهريب كميات كبيرة من المخدرات، قُدِّرت بـ15 طناً و10 أطنان، مع نقل عائداتها المالية عبر مسارات معقدة نحو الخارج.

غير أن بعيوي واصل تفنيد هذه المعطيات، متمسكاً ببراءته.

وهكذا، ومع كل جلسة، كانت خيوط جديدة تنكشف، بينما ظلت الحقيقة الكاملة مؤجلة إلى حين حسم المحكمة في وقائع ملف لا يزال يحمل أكثر مما ظهر إلى العلن.

*عادل الشاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *