يضع ياسيــن كحلي، وهو مستشار قانوني وباحث في العلوم القانونية، في هذا المقال قرار المحكمة الدستورية حول قانون 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، تحت مجهر القراءة نقدية.
ياسيــن كحلي: مستشار قانوني وباحث في العلوم القانونية
حين تصدر المحكمة الدستورية قرارا في شأن قانون يمس مهنة بحجم المحاماة يتجه الانتباه عادة إلى مضمون القرار، هل النص مطابق للدستور أم مخالف له؟؟ غير أن القرار رقم 26/277 م.د الصادر في الملف عدد 26/317 بتاريخ (10غشت 2026) يفرض قراءة من نوع آخر، لأن المحكمة لم تجب أصلا عن هذا السؤال. لم تقل إن مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة مطابق للدستور، ولم تقل إنه مخالف له، بل اكتفت بالتصريح بتعذر البت في الإحالة المعروضة عليها، والفارق بين الأمرين ليس فارق لفظي وإنما فارق في طبيعة الاختصاص ذاته، وهو ما يستحق التوقف عنده قبل أي تعليق آخر .
تعود القضية إلى مسار تشريعي بدا من الناحية الشكلية على الأقل مكتملا فقد اطلعت المحكمة على تقرير لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس المستشارين حول مشروع القانون رقم 66.23 في إطار قراءة ثانية، وهو تقرير ضم مجموعة من الوثائق من بينها نص مشروع القانون كما وافق عليه مجلس النواب في قراءة ثانية بتاريخ (06 يوليوز 2026) وقد أحيل هذا الملف برمته إلى المحكمة الدستورية برسالة السيد رئيس مجلس النواب والمسجلة بالأمانة العامة للمحكمة في 08 يوليوز 2026 طالبا البت في مدى مطابقة القانون رقم 66.23 للدستور.
وحيث أضيفت إلى ذلك الملاحظات الكتابية التي أدلى بها سيدات وسادة أعضاء مجلسي البرلمان وكذا السيد رئيس الحكومة والسيد رئيس مجلس المستشارين والمسجلة على التوالي بتاريخ 20 و22 يوليوز 2026 استند القرار من حيث الأساس القانوني إلى دستور 29 يوليوز 2011 وإلى القانون التنظيمي رقم 066.13 المتعلق بالمحكمة الدستورية، كما وقع تغييره وتتميمه .
هنا بالضبط تكمن نقطة الانطلاق التي بنت عليها المحكمة تعليلها، فرسالة الإحالة وإن تضمن موضوعها إحالة مشروع القانون رقم 66.23 للبت في مطابقته للدستور، لم ترفق سوى بنسخة من تقرير اللجنة البرلمانية المذكورة وهو تقرير حمل في طياته مشروع القانون كما وافق عليه مجلس النواب في قراءته الثانية دون أن يواكبه نص القانون كما وافق عليه مجلس المستشارين في قراءته الثانية المؤرخة في 07 يوليوز 2026 بمعنى آخر المصادقة التشريعية كانت قد اكتملت فعليا بموافقة الغرفتين معا، لكن النسخة النهائية لهذا النص تلك التي يفترض أن تكون محلا للرقابة الدستورية، لم تكن حاضرة بذاتها ضمن ملف الإحالة كما قدم إلى المحكمة .. وهذا التفصيل الذي قد يبدو للوهلة الأولى شكليا محضا هو ما بنت عليه المحكمة نتيجتها بكاملها .
فلتحديد الأثر القانوني لهذا النقص، عادت المحكمة إلى الفقرة الثالثة من الفصل 132 من الدستور التي تنص على أنه “يمكن للملك، وكذا لكل من رئيس الحكومة، أو رئيس مجلس النواب، أو رئيس مجلس المستشارين، أو خمس أعضاء مجلس النواب، أو أربعين عضوا من أعضاء مجلس المستشارين، أن يحيلوا القوانين، قبل إصدار الأمر بتنفيذها، إلى المحكمة الدستورية، لتبت في مطابقتها للدستور” ثم ربطت هذا المقتضى الدستوري بالمادة 23 من القانون التنظيمي المتعلق بالمحكمة الدستورية التي جاءت خصيصا لضبط كيفية الإحالة، إذ تنص على أن “تكون إحالة القوانين إلى المحكمة الدستورية قصد البت في مطابقتها للدستور، طبقا لأحكام الفقرة الثالثة من الفصل 132 منه، برسالة من الملك أو رئيس الحكومة أو رئيس مجلس النواب أو رئيس مجلس المستشارين أو برسالة أو عدة رسائل تتضمن في مجموعها إمضاءات عدد من أعضاء مجلس النواب لا يقل عن خمس الأعضاء الذين يتألف منهم، أو أربعين عضوا من أعضاء مجلس المستشارين” .
من خلال استقراء هذين النصين معا لا كل واحد منهما بمعزل عن الآخر، استخلصت المحكمة قاعدة يبدو أنها تعتبرها بديهية رغم ما قد تثيره من نقاش بأن اختصاصها بمقتضى الفقرة الثالثة من الفصل 132 لا ينعقد إلا إزاء قوانين تمت الموافقة عليها بصفة نهائية ومحالة إليها بمقتضى رسالة أو رسائل، وليس إزاء تقارير اللجان الدائمة أو مشاريع قوانين لا تزال في طور المناقشة. والمنطق الذي قادها إلى ذلك هو أن القاعدة الدستورية حين تنص على أن القوانين “تحال” إلى المحكمة “للبت في مطابقتها للدستور” إنما يقيم رابطة عضوية بين فعل الإحالة كأساس لانعقاد ولاية المحكمة وبين النص الذي يشكل موضوع هذه الرقابة. وبالتالي فإن اكتفاء الجهة المحيلة بإرفاق تقرير عن الأعمال التحضيرية للجنة برلمانية تضمن فيه مشروع القانون قبل تمام المصادقة عليه لا يمكن المحكمة من بسط رقابتها على النص الذي طلب منها البت في مطابقته للدستور مهما كان محتوى ذلك التقرير دقيقا أو وافيا .
وقد أضافت المحكمة إلى ذلك مبدأ عام يتعلق بطبيعة اختصاصها حيث انها لا تمارس رقابتها على دستورية القوانين في إطار الرقابة السابقة الاختيارية إلا في الحدود التي رسمها الدستور ووفق الكيفيات والإجراءات الشكلية والجوهرية التي حددها القانون التنظيمي، وعلى أساس الوثائق التي أحالتها إليها الجهة المعنية بالإحالة. من هذا المبدأ اشتقت النتيجة العملية الرامية إلى عدم إرفاق الجهة المحيلة لرسالتها بنسخة مطابقة لأصل النص المراد مراقبة دستوريته يجعل محل الرقابة من الناحية الواقعية غير متوفر أمام المحكمة، وهو ما يشكل مانعا قانونيا يحول دون البت في القضية المعروضة عليها. وبذلك لم تجد المحكمة مفرا من التصريح بتعذر البت في الإحالة الرامية إلى النظر في مطابقة القانون رقم 66.23 للدستور مع الأمر بتبليغ نسخة من قرارها إلى السيد رئيس الحكومة والسيد رئيس مجلس النواب والسيد رئيس مجلس المستشارين، ونشره في الجريدة الرسمية .
يصعب بعد استعراض هذا التعليل اعتبار القرار حسما لمسألة دستورية قانون تنظيم مهنة المحاماة، كما يصعب من جهة مقابلة تصنيفه ضمن قرارات رفض الطعن فالمحكمة لم تصل أصلا إلى تلك المرحلة التي يفترض فيها أن تناقش جوهر المقتضيات المتضمنة في مشروع القانون توقفت عند عتبة سابقة هي عتبة قبول الإحالة ذاتها والعبارة التي اختارتها لصياغة منطوقها – يتعذر معه البت في الإحالة المعروضة عليها، على حالها – تكشف بدقة أن ما حسم هنا هو شرط ممارسة الاختصاص لا موضوعه وهذا تمييز جوهري لأن الخلط بينهما يفضي إلى استنتاجات لا يحتملها النص .
ولا شك أن هذا التوجه ينطوي على منطق يمكن الدفاع عنه حيث أن الرقابة الدستورية السابقة على القوانين ليست رأيا استشاريا عاما تبديه المحكمة كلما عرض عليها نص، وإنما اختصاص دستوري مضبوط لا يجوز لها أن تحل محله إجراءات من ابتكارها الخاص وخارج ما رسمه الدستور والقانون التنظيمي. غير أن هذا لا يمنع من ملاحظة أن الصرامة في التعامل مع الشكليات الإجرائية، حين تصل إلى حد حجب النظر عن موضوع يثير نقاشا عموميا واسعا كتنظيم مهنة المحاماة، تطرح سؤالا مشروعا عن التوازن بين ضمان انضباط الرقابة الدستورية من جهة وبين تفعيلها الفعلي كآلية لحماية سمو الدستور من جهة أخرى. فالمحكمة وهي تواجه نصا اكتملت مسطرة المصادقة عليه من الغرفتين معا، لم تحرم مقتضياته من إمكانية أن تفحص لاحقا لكنها أرجأت هذا الفحص إلى أجل غير محدد رهين تصحيح الجهة المحيلة لملف إحالتها .
وهنا تكمن المفارقة الحقيقية التي يتركها هذا القرار، كيف؟ فالمسألة الدستورية المتعلقة بمشروع القانون رقم 66.23 بقيت معلقة، ليس لأن المحكمة خلصت إلى سلامته من حيث المضمون، وإنما لأنها لم تتمكن من الناحية الإجرائية الصرفةمن الوصول إلى تلك المرحلة أصلا. وهذا الفارق وإن بدا تقنيا له أثر عملي بالغ يتجلى في كون أن القانون سيصدر ويدخل حيز التنفيذ دون أن يكون قد خضع لرقابة دستورية سابقة فعلية ما لم تجدد الإحالة بصورة مستوفية لشروطها .
يبقى القول كتخريج عام بأن القرار رقم 26/277 م.د لا ينبغي أن يقرأ كحكم في دستورية قانون تنظيم مهنة المحاماة ولا كرفض للطعن المقدم بشأنه، وإنما كقرار ذي طبيعة إجرائية صرفة خلاصته أن المحكمة الدستورية لا تستطيع ممارسة رقابتها السابقة إلا إذا كان النص المحال إليها محددا بدقة، ومقدما وفق الشروط الشكلية والجوهرية التي يفرضها الدستور والقانون التنظيمي المتعلق بالمحكمة الدستورية. والسؤال الذي يبقى مفتوحا بعد صدور هذا القرار ليس مدى مطابقة القانون رقم 66.23 لأحكام الدستور، بل مدى قدرة الجهة المحيلة على تصحيح ملف إحالتها بما يتيح للمحكمة أن تنتقل في مرحلة لاحقة من فحص شروط قبول الإحالة إلى فحص دستورية مقتضيات القانون في ذاتها
*الموافق والأفكار الواردة في هذا المقال لا تتبناها بالضرورة جريدة Le12.ma
