عبد الرزاق بوتمزار

لدى حميد الزاهر أغنية شعبية يقول في إحدى جملها “علّموكْ السّبيسي وكعادْ لكريسي”.. كثيرا ما جعلتني وأنا أسمعها أتخيّل كيف تكون هذه القعدة في الكرسي وضريبْ السّبيسي…

قبل يومين، ظهر أمامي، بالصّدفة، “فيديو كليپّ” جديد لـ”أغنية” الزاهر، لكنْ بديكور وقصة وأبطال مختلفين عمّن اعتدنا مشاهدتهم رفقة المغني المراكشي المرِح.. مشهد حيّ لأسرة مغربية، يظهر فيه “بّا” وهو “مْتّكي مْع راسُو، تيكادّ لمجاجْ ب شقيفاتْ مْدرّحينْ”، على أصوات رشفات الشاي وشغب الأطفال ومرحهم من حوله… في البداية، ظهر كل شيء “عادي” نسبيا ويمكن أن يكون فيديو كليب ناجحا لأغنية الزاهر المرحة دون اعتراض إلا على تفاصيل (فنية) بسيطة. لكنّ غير العادي سيحدث في المشهد الموالي؛ بعد أن تحتلّ الشاشةَ “بطلة” الفيديو.. طفلة بين الثانية والثالثة تقريبا تظهر إلى جانب بّاها، المْبلي، اللهْ يعفو عْلى الجميع. ستُركّز الكاميرا أكثر على الطفلة، فيتحوّل كل مَن في المشهد وما فيه إلى مُجرّد كومبارس وديكور لتأثيث المكان للبطلة…

لكنها بطلة “إشكالية”. وبالإكراه (في صيغة تحبيب) ستكون موضوعَ تجربة مفجعة. ففي بلد الاستثناءات، والإشكالات المتداخلة والمعقّدة أيضا، وأمام ذهول المُشاهد و”تشجيعات” أفراد اللمّة “العائلية”، يتقدّمهم “بّا”، الظاهر بشحمه ولحمه و… سبسيه، وصوتٍ نسائيّ لصاحبته، التي لا تظهر في الصّورة، لكنها مشاركة في تحريض ابنتها على هذه الـ”…” في حق ابنتها. وقد تركتُ لكم أن تكتبوا الكلمة التي تريدون في الفراغ… فأنا، في الحقيقة، لم أعرف كيف أصف المشهد السّريالي.. طفلةٌ ربّما فُطِمت بالكاد قبل أيام أو أسابيع تُدفَع وسط “تواطؤ” عائلي إلى أن تضرب “السّبسي”.. فضربت وبخّتْ إلى أن “سكرت” بعد “النطرة” الثانية أو الثالثة، لم أعد أذكر، لقد دخت… وطبعا، داخت صباح المسكينة، بل تقيّتْ ما في جُوفْها من حليب فوق ملابس جدّها، “مُول لوقيدْ” في هذه الجريمة الإضافية في حقّ الطفولة المفترى عليها.

أيْ نعم، طفلة تسحب نفَسا، بل أنفاساً، من عُود “السّبسي” وقد مُلئ شقفه بـ”عْمارة” من الكيفْ “الكْتامي” بتعبير “بّا”، يتطلب سحبُها مجهودا استثنائيا حتى من الكبار وهم في بدايات “البْلية”، فما بالك بطفلة في عامها الثاني أو الثالث كأقصى تقدير؟!

وستتفاقم الأزمة ويشتدّ التعقيد في هذه “القصّة” وتتشابك الخيوط حين ننتبه إلىطفلة أخرى في المشهد، يا إلهي! إنها تُسهّل للطفلة الأصغر تناول أداة الجريمة من “الجدّ”. تحضر في المشهد أيضا، من خلال صوتها، أمّ الطفلتين، أو على الأقلّ أم صباح، بطلتنا الإشكالية المغلوبة على أمرها. أي نعم، أمها!

هل يحقّ للمرء أن يستحضر بعض ما قيل في “مدرسة” الأمومة، مثل بيتَي أحمد شوقي، مثلا:
الأمّ مدرسة إن أعددتَها؟ (…)

هل يحقّ لنا مُجرّد الاقتراب من دائرة “مدرسة الأمومة” ونحن نسمع صوتَ أمّ تُحرّض صغيرتها على… ضْريب السّبسي؟! أهذه عُدّتنا لمواجهة التحدّيات التي تنتظر الأجيال القادمة؟ أبهذه العقلية “الرّجعية، المستعدّة للبحث عن تبريرات من الأزمنة الغابرة، مثل “الشمّ”، لتبرير اقتراف جريمة كاملة الأركان في حق طفلة “طرية” لا تفقه شيئا ممّا يُفعَل بها؟ أين نحن من مواثيق حقوق الطفل وترسانات القوانين والبنود المسطرة في شؤون حماية الطفولة، وطنيا ودوليا؟

والغريب أنه في الوقت الذي طالب معظم مَن شاهدوا الفيديو (الذي صُنّف لاحقا ضمن خانة “الفيديوهات التي تُظهر عنفا في حق طفل أو مراهق”) وجد آخرون -تماهياً مع حديث الجد عن الشمّ- “تبريرا” مُضحكا للفاجعة، تبريرا أفظع من الزلّة الأصلية، والله أعلم…

لا، يا “دادّا الفاهيمْ”، لا! “الشمّان” (بغضّ النظر عن موقفنا منه ومن “دوائه”) يحدُث في سنّ أبكرَ بكثير من سنّ الطفلة المعتدى عليها.. ثم إن أمّهاتنا كنّ يقلن إن دواء الشمّان هو أن “يبخّ عليك” أحدُ “المبليّينْ” لا أن تُدخّن أنتَ النّبتة بنفسك. أمّا بطلتنا المكرَهة فقد “جبدتْ” من السّبسي بـ”تشجيع” متواصل وتواطؤ ممن حولها من “العاقلين” على توريطها في التدخين حتى “خرج جوفها” واستسلمتْ لدوختها على كتف بّاها..

جريمة في حق الطفلة والطفولة وعقوبتها السجن (عامين على الأقل) ليس إلا بتهمة بتخدير الطفلة.. جريمة في مرتبة محاولة قتل الطفلة بتسميمها، أخفّ عقوبة لها أن تُنزَع الطفلة المعتدى عليها، بل جميع الأبناء المفترَضين، من أبويهم بصفة نهائية ويُعهد بهم إلى جهة تتوافر فيها شروط رعاية الأطفال وحمايتهم.

فأيّ خزعبلات هذه، التي يُفترَض أن تكون قد “انقرضت” منذ عهود، ونحن ما زلنا نُحْييها كلّما احتجنا “تبريرات” لجرائمنا!؟ أي تربية نربّي أبناءها ولأي غد نُعدّهم ونحن نلعب بعقولهم “الصّغيرة” ونحن نحُثّهم على حشوها بدخان مخدّرات قادرة على أن تُدوّخ حتى “أجساد بغال”، فما بالك بجسد طفلة لم تتجاوز سنتها الثالثة كأقصى تقدير؟ وْ…

ها اللّيلْ الليل أ سيدي عْمارة… الليلْ أوا…

هل قلتُ “عْمارة”؟… أمّا “صباح” فيبدو أنْ ما زال أمامها، وأمام جيلها القادم، “ليل” طويل من الجهل والمعتقدات والخرافات، “مدرّحة” بتوابل قلّة التّرابي وانعدام الوعي وغياب روح تحمّل المسؤولية.. ما زالت نهاية النفق بعيدة يا… صباح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.