إنتاج الأديب نبضات قلبه وعصارة فكره وقصائده بناته اللاتي يوزع الحب بينهن على السواء، فليست إحداهن عنده بآثر من الأخرى، وكما يحمي الوالد بناته ويصد عنهن كل يد عادية فكذاك يثأر الشاعر لكرائمه ويحميها من كل اعتداء وتشويه.
تقديم -عبد الرزاق المراكشي le12
عُرف المغرب، منذ عهود، بإسلامه المعتدل، الذي يمتح من ينابيع قيَم التسامح والتكافل والتعاون التي طبعت الإنسان المغربي الأصيل، قائما على ركائزَ متينة تقوم على السجيّة المغربية، التي يسير وفقها كلّ أمر في الحياة بـ”النية“…
اختارت لكم “le12.ma” وقفات مع ثلّة من الأقلام المغربية التي أغنت ريبرتوار الكتابات التي تناولت موضوع الإسلام المعتدل الذي انتهجته المملكة منذ القدم، والذي أثبت توالي الأيام وما تشهده الساحة السياسية الدولية أنّ هذا الإسلام “على الطريقة المغربية” لم يكن بالضّرورة قائما على “الصّدفة (النيّة) بل تحكمه أعراف وقوانين وتشريعات واضحة المرجعيات والخلفيات وواعية تمامَ الوعي بأنّ الإسلام دين عسر “يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ” وبأن “الإسلام دينُ يُسر وليس دين عُسر” وأنْ “ما شادّ أحدَكم الدين إلا وغلبه“..
ونشير إلى أن هذه المقالات منشورة في الموقع الإلكتروني لمجلة “دعوة الحق“.
إنتاج الأديب نبضات قلبه وعصارة فكره وقصائده بناته اللاتي يوزع الحب بينهن على السواء، فليست إحداهن عنده بآثر من الأخرى، وكما يحمي الوالد بناته ويصد عنهن كل يد عادية فكذاك يثأر الشاعر لكرائمه ويحميها من كل اعتداء وتشويه… من أجل هذا أحببت أن أفتح هذا الحساب مع الشاعر التواتي مع التأكيد أنه ليس بيني وبين هذا الصديق ما يستوجب تحقيقا ولا محاسبة، وإنما هي حرفة الأدب -عافاك الله- وهواية الشعر التي جمعت بيننا (على رغم أنفنا) قد تخلق لأصحابها أحيانا بعض المتاعب عن قصد أو غير قصد.. وقد كان في وسع الأخ الشاعر أن يحترم نفسه ويصون للأدب ذمامه وحرمته فيعفينا من هذا النقاش أو الحساب، أما وقد فعلها فالظن به أنه يضعف عن تحمل النتائج مهما بلغت مرارتها وقسوتها.
تسلمت من موزع البريد العدد الأخير من هذه المجلة، ولم أمض في تصفح مقالاته وقصائده حتى وقعت عيني في الديوان على قصيدة للشاعر التواتي يوجهها كنداء إلى الذين يريقون دماءهم من غير وعي دفاعا عن الأباطيل والأوهام فشهدت واتهمت عقلي وعيني، فهل هي حقا قصيدة للشاعر التواتي تنشرها له دعوة الحق؟ أم هي قصيدتي تعيد المجلة نشرها لمناسبة
هذه هي القصة، فما وراء هذه القصة من سر؟
إن السر يعرفه الشاعر التواتي نفسه، ويعرفه القراء الذين يتتبعون الشعر في ديوان هذه المجلة، فقد سبق أن نشرت في هذا الديوان قصيدة تحمل اسم “نداء”، وكان ذلك في شهر نونبر 1957 وفي العدد الرابع والخامس والمجلة في سنتها الأولى…
وكانت حقا من الشعر الإنساني الرقيق ومن أحب قصائدي إلى نفسي وإلى الذين أسعدني الحظ بهم وقرأوها فاشتركوا معي في هذا الإحساس، وتنسلخ أربع سنوات على نشر هذه القصيدة فينساها الكثير ولا يذكرونها إلا اليوم أي بعد أن طلع عليهم التواتي بقصيدة إننا إخوان، ولقد رأيت اتفاقا إخوانا هنا وفي الرباط سألوني عن القصيدة واستغربوا إعادة نشرها وقد سبق لهم أن قرأوها ونسوا صاحبها فابتسمت وفهموا أن وراء القصة سرا.. لست أحب أن أطيل فقد ابتدأت قصيدتي (نداء) هكذا:
يا أخي نحن في الحياة على رغم هوانا وأنفنا إخوان
فعلى ما نعيش في هذه الدنيا ذئابا في صورة الإنسان؟
نتساقى كأس الصداقة والحب بأيد مضرجات البنان.
وفي منتهى البساطة والاستخفاف يتصرف التواتي في مطلع القصيد فيغير على كلماته ويغير قليلا من أوضاعه فيستعمل إنني وأنت مكان (نحن). ويستعمل الدنى بديلا عن الحياة ويبدع فيأتي من عنده بكلمة الديانات جديدة طريفة، كأنما يحاول بإقحامها مغالطة نفسه ومغالطة الواقع فيقول:
يا أخي إنني وأنت على رغم الديانات في الدنى إخوان
ولا يبتعد إلا قليلا حتى يضع البيت نفسه صدرا لمقطعه الرابع بقليل من التحوير فقط فيقول:
يا أخي إنني وأنت على رغم هوانا وانفنا إخوان
وحدت بيننا المصائر والأقدار مذ كنا في ضمير الزمان.
ويمضي التواتي مترسما معاني القصيدة متتبعا لقوافيها في كل بيت يحورها ما استطاع ويمطط منها ما كان إيماءة مختصرة، ويسهب فيما قصدت فيه أن يكون لمحة دالة، فقد تساءلت في (نداء) مستعملا أسلوب الاستفهام في هذه الأبيات:
لـم نحيا على اختلاف ونسعى في افتراق كأننا ضدان؟
لـم نذكـي أجيج نار فنصلا ها كأنا من عابدي النيران؟
ولماذا نهيج شوقا إلى الحرب نعاني من نارها ما نعاني؟
لـم نبني ونحن نهدم جنات من الفن رائعـات البيـان؟
وفي هذه المعاني نفسها ووراء هذا الأسلوب ينساق التواتي بوعي أو بدون وعي فيقول:
فلمـاذا أخي تنكسر قلبانا لما وطدت يد الرحمان ؟
ولماذا ندوس في قورة الجهل تماثيل حبنا الفينان ؟
ولمـاذا أخي نحطم باليأس دنانا كأننا يائسـان؟
وعندما يسمو ويبدع الأخ التواتي مبتعدا عن الاحتذاء والاستيحاء يكفر بالمبادئ والقيم المثلى التي يقدسها الإنسان أي أنه يهدم الجانب الروحي الذي يسمو بالإنسان عن البهيمة فيزعم للناس ولنفسه أنها ألفاظ بلا روح وأنها كلمات جوفاء اصطنعها الإنسان لخداع أخيه الإنسان، أما القوميات والدساتير والقوانين التي وصلت إليها عبقرية الإنسان لحماية المجموعة المتساكنة على هذه الأرض فهي في رأي شاعرنا التواتي وضع عابدي الأوثان ليس غير.
“المبادئ واللون والجنس ألفاظ بلا روح أو بدون معان
والقوميات والدساتير والأعراف من وضع عابدي الأوثان“.
لا لا يأخانا التواتي إن أي عربي يعتز بالقومية العربية ويفخر بها لن يسمح لك بحال، ومن أجل بيت من الشعر، أن تجعله من عبدة الطاغوت والأوثان، وإن أصغر رجل من رجالات القانون وواضعي الدساتير لن يرضى له علمه وعقله المتفتح أن يؤله أو يستعبده وثن أعمى. وقد نسلم لك هذا في النزعة إلى الألوان والأجناس، أما المبادئ التي آمن بها الإنسان والقوميات التي احتكم إليها فهي ليست من وضع عابدي الأوثان وساكني الغاب والأدغال… ومن التناقض الغريب أن يتحدث التواتي للمستمعين عن القومية وعناصرها: اللغة والتاريخ والدين على أمواج إذاعة فاس حديث المؤمن بها والمناضل عنها وهو الذي يقول عنها في “قصيدته” إنها خرافة من خرافات الإنسان ومن وضع الهمج وعابدي الأوثان.
لقد حلا للأخ التواتي أن ينظم شعرا يهيب فيه بالإنسانية لتسترجع صوابها ووعيها، فاهتدى آليا إلى البحر الذي نظمت فيه قصيدتي وإلى الروي الذي بنيتها عليه وإلى شكلها ومضمونها، وألهم أخيرا من غير أن يشعر بعض أببياتها، فهل يستطيع الشاعر بعد هذا أن يؤكد أنه لم يقرأ قط قصيدتي (نداء)؟ وهل يستطيع القول بأن ما فعله كان من توارد الخواطر ووقع الحافر على الحافر كما يقول الأقدمون؟
أحسن الظن أن التواتي احتال لفتح شهيته للنظم فقرأ (نداء) وقرأ غيرها ثم انخرط في صوغ خواطره وأفكاره ولما يتخلص من آثار ما قرأه فانعكست على شعره ظلال وانطباعات لم يتفطن إلى أنها طارئة عليه وغريبة عنه، ومن أجل هذا المعنى لم يجز خلف الأحمر لتلميذه أبى نواس بعد أن حفظ آلاف الأبيات لغيره من الشعراء أن يبدأ هو في النظم إلا بعد أن ينسى كل ما حفظه، أي بعد أن يتخلص من شخصيات الشعراء الذين حفظ لهم وتقمص شاعريتهم، فإذا نظم بعد هذا كان واضح الشخصية مستقل الشاعرية، وقديما الحى الناس باللائمة على أبي تمام لأنه اغتصب بيتا كاملا لشاعر مدح معبدا صاحب الغناء بقوله:
أجاد طويس والشريحي بعده وما قصبات السبق إلا لمعبد
أخذه أبو تمام فقال :
محاسن أصناف المغنين جمة وما قصبات السبق إلا لمعبد
وعاتبوا أبا نواس لنفس السبب قال معبد:
لهفي على فتية ذل الزمان لهم فما أصابهم إلا بما شاءوا
أخذه أبو نواس فقال:
دارت على فتية ذل الزمان لهم فما يصيبهم إلا بما شاءوا
ولم ينج البحتري مما وقع فيه أبو تمام قال على بن جبلة:
للعيد يوم من الأيام منتظر والناس في كل يوم منك في عيد
أخذه البحتري فقال:
كل عيد له انقضاء وكفى كل يوم من جوده في عيد
على أن هؤلاء قد يكون لهم عذر في ما ارتكبوه، فقد يتسرب إلى الشاعر أبيات لغيره يدرجها في شعره من غير أن يعي أنها لغيره، ولكنه على كل حال لا يجوز أن يتكرر منه ذلك، ولا يجوز أن يسير في ظل غيره يتسقط قوافيه ومعانيه. ومن بعيد الاحتمال أن يكون الأخ التواتي قصد أن يعارض بقصيدته “نداء” فإن أوضح شروط المعارضات الأدبية أن يحتفظ فيها المعارض بشخصيته وذاتيته، وإلا كان عمله طبعة ثانية للعمل الأدبي الذي يعارضه، وليس على التواتي غضاضة في أن يعارض أي أثر أدبي، فقد تبلغ المعارضات أحيانا من الجمال والقوة ما لم يبلغه الأثر المعارَض، لقد عارض شوقي البوصيري وابن زيدون وعارض الكثير الحريري في المقامات، فكانت هذه المعارضات في كثير من الأحيان ناجحة وقوية.
فهل كانت قصيدة التواتي معارضة صحيحة متوفرة الشروط أم كانت شيئا آخر غير المعارضة؟
لقد اختار التواتي لقصيدته بحرا جميلا هو بحر الخفيف لأنه شاعر محافظ يلتزم تفاعيل الخليل، ولكنه مع الأسف كثيرا ما يتعثر في هذه التفاعيل: يثبت ألفاتها إذا كانت لا تثبت ويحذفها إذا وجب لها أن تثبت، وأحيانا يكسرها كسرا فظيعا يبتعد بها عن أخواتها، وإني لأستسمحه لأضع أمامه كنماذج من هذا الانحراف الأبيات التالية:
1) والقوميات والدساتير والأعراف من وضع عابدي الأوثان؛
2) يا أخي لم يقاتل البعض منا البعض ظلما كأننا عدوان؛
3) فلنسر في طريقنا نحقق في صبر رجاء الحياة في الإنسان.
ويتحدث الشاعر عن البسمات ذات الألحان والرنين المشرق (كذا) فيقول:
وتهادي جمالها الرائق الأخاذ كل الوجود والنيران.
فما هذه النيران المتقدة يا أخي؟ وأي تناسب بين الجمال الرائق المعجب وبين النيران المحرقة؟ أفلا يكون أجمل وأنسب في لغة الشعر والجمال لو استعملت مكانها الأنوار والأضواء، ثم ما هذه الركاكة في الأخاذ كل الوجود والنيران، لحا الله القافية كم تصنع من مضحكات ومبكيات.
وبعد فإني لست متجنيا على الأخ التواتي، ولا محتكرا الشعر لنفسي أو محرما على أحد أن ينظم في بحر نظمت فيه وعلى قافية اخترتها، ولكني أتهم! ولقسم حماية الآثار الأدبية الكلمة الفاصلة، وللناس أن يقرأوا ويحكموا، وعلى الأخ التواتي أن يتحمل نتائج الحكم بصبر واحتمال.