الفنثقافة

قطوف من السرد العالمي. ألفونس دودي

 

إعداد: إلياس زهدي

ح. 28

الدرس الأخير
ألفونس دودي (1840 -1898)

قصدتُ المدرسة، ذات صباح، متأخرا. وكنت مرعوبا بشدة من التوبيخ، خصوصا أن الأستاذ هامْل قال إنه سيسألنا في المشتقات، وأنا لا أعرف عنها شيئا. فكرت، في إحدى اللحظات، في الهروب بعيدا، في أن أقضي اليوم خارج أسوار المدرسة ، فالجو اليوم دافئ والشمس مشرقة , والطيور تغرد، في أطراف الغابة. وفي الساحة المفتوحة، خلف ماكينة نشر الخشب، كان الجنود البروسيون يتدربون. كل هذا بالنسبة إلي كان أكثر إغراء من درس المشتقات. لكنْ كانت لدي العزيمة الكافية لمقاومة هذا الإغراء، فأسرعت بالذهاب إلى المدرسة.

وحين مررت من أمام ساحة البلدة وجدت زحمة أمام لوحة الإعلانات. طوال العامين السابقين والأخبار السيئة تأتينا من هذا المكان: مفقودو الحروب والتجنيد وأوامر الحاكم.. قلت في نفسي، دون أن أتوقف “ما الذي يمكن أن يكون قد حدث الآن؟”.. وعند ذلك -بينما أنا أجرى بسرعة- نادى علي ويتشور، الحداد، الذي كان يقف مع صبية يقرأ لوحة الإعلانات:
-لا تسرع يا صغيري، ما زال لديك الوقت الكافي للوصول إلى مدرستك في الوقت.
ظننت أنه يسخر منى، فوصلت إلى حديقة منزل الأستاذ هامْل الصغيرة وأنفاسي تكاد تتقطع.

عادة، حين تبدأ المدرسة تكون هناك ضوضاء شديدة يمكن سماعها في “الشارع”، مثل فتح الأدراج وإغلاقها وترديد الدروس
في نغم أحاديّ عال جدا، مع وضع الأيدي فوق الآذان ليكون فهمنا أفضل ومسطرة المدرّس الكبيرة تضرب الطاولات. ولكن الآن هدوء تام. كنت أعول على هذه الضوضاء لكي أتمكن من الوصول إلى طاولتي دون أن يراني أحد. لكنّ كل شيء هادئ اليوم، كما لو كنا في صباح يوم الأحد. عبر الشباك، رأيت زملائي جالسين في أماكنهم والأستاذ هامْل يتمشى في الفصل وتحت ذراعه المسطرة الحديدية المرعبة. كان علي أن أفتح الباب وأدخل أمام الآخرين. ولكم أن تتخيلوا مدى الخجل وشدة الخوف اللذين كنت أشعر بهما! ورغم ذلك لم يحدث شيء. رآني الأستاذ هامل وقال لي، بلطف شديد:
-ادخل بسرعة يا عزيزي فرانز، كدنا نبدأ الدرس بدونك.

قفزت فوق الطاولات، ثم جلست في مقعدي. في هذه اللحظة تغلبتُ،نسبيا، على مخاوفي، وأنا أرى أستاذي هامل في معطفه الأخضر الجميل وقميصه المسرفل وقبعته الحريرية السوداء الموشاة من الجانبين. الأستاذ هامل لا يرتدى هذا الهندام إلا في أيام التفتيش أو استلام الجوائز. فوق ذلك، تبدو المدرسة كلها غريبة وكئيبة. ولكن الشيء الذي كان أكثر دهشة لي أن أرى في المقاعد الخلفية -التي تكون دائما خالية- أناسا من القرية يجلسون في هدوء تام مثلنا: هوسر العجوز، بقبعته ذات الأركان الثلاثة، والعمدة السابق ومدير مكتب البريد السابق وبجوارهم آخرون. كل واحد منهم كان يبدو حزينا. وكان هوسر قد أحضر كتاب مبادئ القراءة القديم، الملوثة جوانبه، وأمسكه مفتوحا فوق ركبتيه ومعه نظارته المعظمة، ملقاة فوق الصفحات. وبينما أنا أتعجب من كل هذا، صعد الأستاذ هامل فوق مقعده وقال، بصوته الوقور ذي الإيقاع الحنون الذي خاطبني به:
-أطفالي، هذا درسي الأخير الذي أقدّم لكم. لقد جاءت الأوامر من برلين بأن أدرس للألمان فقط في مدارس الألزاس واللورين. غدا، سيأتيكم المدرّس الجديد، هذا آخر درس لكم في اللغة الفرنسية، أريد منكم أن تنتبهوا جيدا.

وقعت هذه الكلمات على أذني مثل موقع قصف الرعد. أوه.. يا للتعاسة! إذن هذا ما كان معلقا في لوحة الإعلانات!
درسي الأخير في الفرنسية.. لماذا؟ لقد عرفت بالكاد كيف أكتبها، سيتوقف تعليمي عند ذلك إذن. أوه، كم أنا حزين.. لن أتعلم دروسي! سأبحث عن بيض الطيور أو أنزلق على مياه نهر السار. أما كتبي، التي كانت قبل لحظة فقط تبدو مزعجة وثقيلة جدا على الحمل: كتاب القواع وكتاب الأولياء الفرنسيين القدامى، فقد صارت الآن بمثابة أصدقاء قدامى لا يمكن التخلى عنهم.. وأيضا الأستاذ هامل، لن أستطيع أن أراه، فقد جعلتني فكرة أنه سيرحل إلى بعيد وأنني لن أراه إلى الأبد مرة أخرى أنسى كل ما كان من مسطرته وكيف أنه كان شخصا متقلبا!

يا للرجل المسكين! إكراما للدرس الأخير يرتدي ملابس جيدة مثل ملابس يوم الأحد. الآن فهمت لماذا كان الرجال الكبار يجلسون في آخر الحجرة، لأنهم حزينون جدا ولن يحضروا إلى المدرسة مرة أخرى. إنها طريقتكم في التعبير عن تقديرهم لأستاذنا على خدمته المخلصة مدة أربعين عاما ولكي يظهروا، أيضا، مجرد احترامهم للبلد التي ينتمون إليها لا أكثر.

وبينما كنت أفكر في كل هذا، سمعت اسمي ينادى، لقد حان دوري لكي أُسمع الدرس. ما الذى يجعلني لم أُمنَح القدرة على قول تلك القاعدة المرعبة لاسم المفعول بطلاقة وبصوت عال واضح دون خطأ واحد؟ ولكن الأمر اختلط عليَ منذ الكلمات الأولى، فوقفت ممسكا مقعدي وقلبي يدق من الخوف دون أن أجرؤ على رفع رأسي. عند ذلك سمعت الأستاذ هامل يقول لي:
-لن أوبّخك يا عزيزي فرانز، يكفي شعورك بما أنت فيه من سوء.. تخيل ذلك، كل يوم كنا نقول لأنفسنا ما زال لدينا متسعٌ من الوقت، سأتعلم ذلك غدا.. والآن، ها أنت ترى أين وصلنا؟

آه! هذه مشكلة الألزاس الكبرى، إنها تؤجل التعليم حتى الغد، الآن يحق لهؤلاء الرفاق في الخارج أن يقولوا كيف لكم أن تدّعوا أنكم رجال فرنسيون وأنتم لا تستطيعون أن تتحدثوا أو تكتبوا لغتكم؟ ولكنك لست أسوأنا يا عزيزي فرانز، المسكين، كلنا نستحق أن نلوم أنفسنا؟ لم يكن والداك حريصين بدرجة كافية على تعليمك، فقد فضّلا أن يرسلاك للعمل في مزرعة أو طاحونة لكي يحصلا من ورائك على قليل من المال. وأنا، أيضا، أستحق اللوم؛ ألم أرسلك في كثير من الأوقات لكي تسقي الورد بدل أن أعلّمك دروسك؟ وعندما كنت أريد الذهاب للصيد، ألم أكن أعطيك إجازة ؟!..

واستطرد الأستاذ هامْل فى الحديث من موضوع إلى آخر، ثم تحدث عن اللغة الفرنسية قائلا إنها أجمل لغة في العالم وأوضح لغة. كما أنها أكثر اللغات منطقية ويجب أن نحافظ عليها ولا نفرّط فيها أبدا، لأن الناس إذا استُعبدوا لمدة طويلة يسرعون إلى التمسك بلغتهم، كما لو كانت بمثابة المفتاح الذي يخلّصهم من السجن. وعند ذلك فتح الأستاذ هامل كتاب القواعد وشرع يقرأ علينا درسا. وكنت مندهشا لمدى استيعابي وفهمي الجيد. كل ما يقوله بدا سهلا، سهلا جدا. أظنّ، أيضا، أنني لم يسبق لي أبدا أن أنصتّ إليه باهتمام شديد هكذا. كما لم يسبق له أن شرح كل شيء بصبر كبير مثل اليوم. يبدو أنّ المسكين كان يريد أن يعطينا كل ما يعرف قبل أن يتركنا وفي الوقت ذاته يدخله في رؤوسنا دفعة واحدة.

بعد القواعد، أخذنا درسا في الكتابة. في ذلك اليوم أعطانا ورقة جديدة مكتوبة بخط اليد الجميل: فرنسا -الألزاس -فرنسا -الألزاس. بدت الأسماء المكتوبة مثل أعلام صغيرة طائرة في كل مكان في غرفة الدرس وقد نزلت من الصواري فوق المقاعد. وكان عليك حينئذ أن تلاحظ مدى هدوء الفصل واستعداد الطلاب للعمل. لم تكن تُسمع أصوات عدا صوت احتكاك الأقلام بالورق.

في تلك اللحظة حلقت بعض الخنافس داخل الفصل، ومع ذلك لم يعرها أحد انتباها، ولا حتى أصغرها، كانت منهمكة تماما في تتبع فرائسها، كما لو كانت هذه فرنسية أيضا. وفى الخارج، على السطح، كان الحمام يهدل بصوت خفيض فقلت نفسي “حتى الحمام! هل سيعلمونه الغناء بالألمانية؟!”..

كنت، كلما رفعت رأسي عن الكتابة، وجدت الأستاذ هامل يجلس في مقعده دون حراك وهو يحدّق في شيء محد،د ثم ينتقل إلى شيء آخر. كما لو كان يريد أن يثبّت في ذهنه الشكل صارت عليه حجرة الدراسة الصغيرة… رائع!

مند أربعين عاما وهو في المكان ذاته، حيث الحديقة خلف الشباك والفصل أمامه، هكذا دون تغيير. فقط التخت والمقاعد صارت بالية وناعمة وطالت أشجار جوز الهند في الحديقة والتفّت أغصان أشجار العنب ووصلت إلى السطح، عبر النافذة. يا للمسكين! لكم كان قلبه يعتصر حزنا لفراقه كل هذا ولسماعه أخته وهى تتحرك في الحجرة العليا، حيث تحزم الحقائب، لأن عليهما أن يغادرا الوطن في اليوم التالي. ولكنْ كانت لديه الشجاعة لإسماعنا الدرس إلى آخره. وبعد درس الكتابة، أخذنا درسا في التاريخ، وعند ذلك غنى الأطفال أغنيتهم “بي بي بو بو”.

وكان هوسر العجوز، في آخر الفصل؟ يضع النظارات على عينيه وكتاب مبادئ القراءة في يده ويتهجى الحروف معهم. تستطيعون أن تقولوا إنه كان يبكى أيضا. فصوته كان يرتجف بالعاطفة الجياشة وكان ممتعا جدا أن نسمعه ونحن نضحك ونبكى.. آه، كم هو جميل أنا أتذكر ذلك. لقد كان الدرسَ الأخير. وبعد ذلك مباشرة دقت ساعة الكنيسة الثانية عشر لصلاة البشارة. وفي اللحظة نفسها كان نافخو البوق من البروسيين عائدين من تدريبهم. وعند اقتراب الصوت من شباكنا، قام الأستاذ هامل -وهو ممتقع الوجه جدا- من مقعده، لم أره أبدا من قبل طويلا هكذا، ثم قال:
-أصدقائي.. أنا…
ولكن شيئا تحشرج في حلقه فلم يستطع الكلام. وعندئذ استدار إلى السبورة وأخذ قطعة تباشير واستجمع قوته وكتب، بخط كبير جدا “عاشت فرنسا”.
ثم توقف وأسند رأسه إلى الحائط. ودون أن ينطق بكلمة، حرّك جسده وأشار بيديه نحونا، وكأنه يقول : “انتهى اليوم الدراسي.. لكم أن تنصرفوا”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة