عبد الرزاق بوتمزار -Le12.ma

بالنسبة إلى عُشّاق الكرة من جيل السبعينيات، وأنا واحدٌ منهم، كان عبد المجيد الظلمي (19 أبريل 1953 -27 يوليو 2017) واحدا من الأسماء التي انحفرت في ذاكرتنا الجمعية، بل في أعماق قلوبنا، وإلى الأبد. ففي عزّ “مُراهَقتنا” الكروية جاءت محطة 1986 لتوثق رابط الوفاء بيننا كمتفرجين وبين تشكيلة أسطورية ظلّت مضرب المثل في الانسجام والتناغم والأداء الجماعي الممتع ومرجعاً في الكرة المغربية، بل والعربية، بقيادة المدرب البرازيلي الراحل المهدي فاريا.
صحيحٌ أن جيلنا لم يتابعه في بداياته الأولى، لكنْ منذ مشاهدة مباراته الأولى أُغرمنا بفنياته ومهاراته التي لا تتأتّى لأي كان.. في مونديال المكسيك كان الظلمي، إذن، أحد أبطال تلك الملحمة التاريخية، التي تميّزت على الخصوص بالانتصار البيّن للمنتخب المغربي، كمّاً وكيفاً (3 -1) على منتخب البرتغال، متوجاً أداءه المبهرَ في دور المجموعات بتحقيق إنجاز “تاريخي” حينذاك بتأهله إلى الدور الموالي من المسابقة، كأول بلد عربي وإفريقي يتمكن من تحقيق ذلك.

من الرّجاء كانت البداية..
كانت بداية عبد المجيد الظلمي مع فريق الرجاء البيضاوي، الذي التحق بشبابه في بداية السبعينيات ليتوج معه بعدة نُسخ من كأس العرش بدايةً من أول سنة لعبها مع الفريق الأول، سنوات 1974، 1977، 1982 و1983.
ويكفي أن نلقي نظرة على أسماء اللاعبين الذين جاورهم الظلمي في الرجاء حينذاك، لنتأكد من أنه لو لم يكن موهوباً فعلاً و”عْندُو ف رْجليه” لما استطاع أن يحجز له مكانا بينهم؛ فأن تلعب إلى جوار أسماء من قبيل بيتشو وبنيني وپّتي عمر وحمّان وعلام له تبريرٌ واحد: أنت “مْعلّمْ”!
عرف معظم المغاربة عبد المجيد الظلمي كلاعبِ وسط من الطراز الرفيع، لكنّ مُجايليه، من لاعبي ومحبي الرجاء البيضاوي على الخصوص، يعرفون أنه كان في بداية مشواره مع “الأخضر” مدافعاً أوسط (يحمل الرقم 4). وحتى وهو في مركز المدافع، بدأت الجماهير تهمس بفنيات ذلك الفتى “الرّقايْقي”، بجسده النحيف وشعره الكثيف، وبمراواغاته وتدخّلاته المحكمة وتحكمه العجيب في رقعة الملعب وفي “ريتم” المباريات.. سنوات بعد شغله مركز المدافع الأوسط، سيتقدّم الظلمي قليلا نحو وسط الميدان، حيث سيبدع أروع مراوغاته ولمساته التي أبهرت الجماهير في مختلف الملاعب التي داعب فيها الكرة، مكرّساً نفسه “مايسترُو” للكرة المغربية والعربية بلا منازع.

كأس إفريقيا 1976.. تتويجٌ مبكّر مع الجيل الذهبي

اشتهر الرّاحل عبد المجيد الظلمي بتمريراته الدقيقة التي لا تُخطئ العنوان. كما عُرف “المايسترو” بأخلاقه الحسنة وسلوكه الرّاقي، سواء داخل الملعب أو خارجه؛ ولربّما كان اللاعبَ الوحيد في تاريخ الكرة العالمية الذي لم يُطرَد ولو مرّة واحدة على امتداد مشواره الطويل والحافل.
صال “لمْعلّم” وجال في الميادين وشرّف الكرة المغربية على واجهات كثيرة. كما تُوج بكأس إفريقيا رفقة المنتخب المغربي (1976 في إثيوبيا). ولعلّ كثيراً من المهتمّين بالكرة المغربية من الجيل الجديد يذكُرون أن الرّاحل الظلمي كان من المبدعين في مونديال مكسيكو 1986 ولا يعرفون أنه كان واحدا من ذلك “الجيل الذهبي” الذي حاز النّسخة الوحيدة في خزائن الكرة المغربية من كأس إفريقيا للأمم حتى الآن.
ولعب الظلمي آنذاك ضمن كوكبة من النجوم قادهم المدرب الروماني جورج ماراديسكو، أبرزهم الحارس الهزاز وأحرضان والشريف وجواد والزهراويوعْسيلة ومجاهد وبابا وأبوعلي والتازي والسميري ومهدي وكلاوة.
عشرَ سنوات بعد ذلك، وبالضبط في مونديال المكسيك، واصل الظلمي تألقه رفقة المنتخب المغربي وكان نجم “أسود الأطلس” في وسط الميدان، إلى جانب محمد التيمومي. كما تألّق الرّاحل أمام منتخب إنجلترا، ما جعل مجلة “ليكيب” الفرنسية تمنحه نقطة 10/9، ما عُدّ اعترافا صريحا بنجومية الرّاحل، التي تخطت المغرب وحلّقت به نحو شهرة عالمية مستحَقّة. وجاور الظلمي في مونديال مكسيكو 86 كتيبة أخرى من النجوم، أبرزهم الزاكيولمريس والبياز والبويحياوي والحداوي وبودربالة وكريمو والتيمومي وخيري وسهيل وآخرون.

غصّة مباراة الاعتزال.. هل تعوّضها مباراة طنجة؟!
اشتغل الظلمي موظفا في “مكتب استغلال الموانئ”، الذي كان المحتضن الرسمي للرجاء في نهاية ثمانينيات القرن الماضي وبداية تسعينياته، فبعد عودته إلى فريقه الرجاء الرياضي سنة 1990، بعد ثلاث سنوات قضاها بقميص فريق جمعية الحليب، أُدمج الرّاحل -وفق ما أوردت جريدة “الأخبار” في أحد أعدادها الأخيرة- في “لوديب” رفقة العناصر التي حققت أول بطولة للفريق الأخضر (1988) وبعدها عصبة الأبطال الإفريقية في صيغتها القديمة (1989). وظل الظلمي موظفا “شبحا” في مكتب استغلال الموانئ (انقسم إلى شركتين: “الوكالة الوطنية للموانئ” و”مارسا ماروك”) وفي الأخيرة اشتغل الظلمي بـ”اسمه” إلى حين حصوله على التقاعد سنة 2013.
ولعلّ واحدا من الأسرار الكبيرة التي حملها معه الراحلُ إلى قبره: “ابتعاده” وعدم اهتمامه بأحوال وشؤون الكرة المغربية، إذ عُرف عنه أنه بعد اعتزاله صار يقضي معظم أوقاته بعيدا عن محيط و”صداع” الكرة إلا في حالات نادرة.
بالإضافة إلى معاشه من “مارسا ماروك”، استفاد الظلمي من مأذونية نقل (حصل عليها رفقة جيل من اللاعبين الذين تألقوا في مونديال 1986). لكن مقربين منه أكدوا للمنبر السابق ذكره أن الرجل تأثر نفسيا بعد إلغاء مباراة تكريمه، التي كانت ستجمع، قبل أربع سنوات، بين فريقه الأم، الرجاء الرياضي وبوكاجونيور الأرجنتيني، والتي كان الظلمي سيحصل من خلالها على 220 مليون سنتيم مقابل مشاركته فيها. لكنّ المباراة ألغيت بعد ذلك، نظرا إلى صعوبة تلبية مطالب الفريق الأرجنتيني، الذي أصرّ على تخصيص طائرة خاصة تُقلّ طاقمه من وإلى بيونيس آيريس، إضافة إلى مطالبة الفريق الأرجنتيني بالتوصل بـ600 مليون سنتيم مقابل مشاركة لاعبيه الرسميين في المباراة.
تأثر الرّاحل الظلمي كثيرا بإلغاء مباراة اعتزاله، خاصة أن المباراة كانت أمام فريق عالمي من حجم بوكاجونيور، بالإضافة إلى تحسّره على ضياع 220 مليونا كانت قريبة من جيبه، ليرحل “لمْعلّم” وفي حلقه غصة مادية ومعنوية..
بعد رحيله، ساعاتٍ قليلةً قبل إقامة نهائي السّوبر الفرنسي، وهي المباراة التي احتضنها ملعب طنجة الكبير، راجت أخبارٌ عن أن الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم قررت تخصيص مداخيل المباراة لفائدة عائلة الراحل الظلمي.. فهل تفي الجامعة بوعدها، أم تراها تكون غصّة أخرى تضاف إلى غصة مباراة الاعتزال، التي لم يُكتَب لها أن تُجرى؟!

جائزة يونسكو.. الرّياضة أخلاق!

“المايسترو”، “الأستاذ”، “لمْعلّم”… ألقاب ضمن أخرى لم تُطلق جزافاً على الرّاحل عبد المجيد الظلمي، بل بفضل عطاءاته في ملاعب الكرة، سواء مع فريقه الرجاء البيضاوي أو مع المنتخب المغربي. لقد كانت هذه الأوصاف عربونَ محبّة من جماهير الكرة لنجم استثنائيّ، داخل رقعة الملعب كما خارجه. فقد جمع الراحل الظلمي بين الأداء المبهر على أرضية الملاعب والروح الرياضية العالية، ما دفع منظمة التربية والعلوم (يونسكو) إلى منحه “جائزة الروح الرياضية” (15 أكتوبر 1992) مكافأةً له على كونه نموذجاً يُحتذى، إذ لم يسبق للظلمي أن نال أيَّ بطاقة حمراء خلال كل مشواره الكروي، الذي امتدّ لأزيدَ من عشرين سنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.