تواجه الحكومة، في مسار الإصلاحات الجريئة التي باشرتها منذ تعيينها، جيوب المقاومة هنا وهناك.

فرغم السياق الصعب والمُعقد الذي جاءت فيه، والذي اتسم بتوالي سنوات الجفاف وندرة التساقطات المطرية، وتبعات الأزمة الصحية العالمية، والحرب الروسية الأوكرانية التي تُرخي بظلالها على الأسواق العالمية، باشرت الحكومة تنفيذ الورش الملكي المتعلق بتعميم الحماية الاجتماعية، كما تبنت تدابير تروم  دعم القدرة الشرائية للمواطنين.

منحت دعما لمهنيي النقل على دفعات ستصل قريبا إلى الدفعة السابعة.

وواصلت الحكومة سياسة دعم غاز البوتان والسكر والدقيق في إطار صندوق المقاصة(32 مليار درهم).

وقبل ذلك، بادرت الحكومة إلى الجلوس مع النقابات على طاولة الحوار الاجتماعي للبت في عدد من الملفات الموروثة.

فتم الإفراج عن الترقيات، والاتفاق  حول عدد من القضايا التي من شأنها أن تُسهم في  تحسين الأوضاع المادية و الاجتماعية لمختلف الفئات الاجتماعية. وتواصل الحكومة جهود الإنتاج التشريعي في مجالات حساسة : إصلاح منظومة التربية والتكوين، إصلاح منظومة الصحة، اعتماد ميثاق جديد للاستثمار

وبالموازاة مع هذه الإجراءات الهادفة إلى دعم أسس وركائز الدولة الاجتماعية، باشرت الحكومة ، في  إطار مشروع قانون المالية لسنة 2023، إصلاحات متعددة، منها بالخصوص الإصلاح الجبائي، الذي يروم تحقيق العدالة الجبائية، من جهة، وتحسيس مختلف الفئات المهنية بالواجبات الضريبية تجاه الدولة.

 غير أن عقود الريع الضريبي التي جثمت لفترة طويلة على صدر بعض الفئات المهنية، والتي  مكنتها من مراكمة الأرباح والمداخيل ولا تصرح سوى ببعض الفتات، في سياق اتسم بغياب الحزم والرقابة والمحاسبة في مواجهة التملص الضريبي،  كل ذلك لم يسهل مأمورية الحكومة في تنفيذ الإصلاح.

لقد وجدت الحكومة أمامها جيوب المقاومة للإصلاح الضريبي، لأن الفئات المعنية تخاف من حرمانها من الامتيازات الضريبية التي ظلت تنعم بها دون موجب حق طيلة عقود من الزمن.

 وهو ما يفسر احتجاجات هذه الفئات المهنية، ومنهم المحامون.

 واضطرت الحكومة، في إطار أسلوب الحوار الذي تنهجه إلى التدخل لإخماد احتجاجات المحامين.

 وتوصلت أخيرا، إلى صيغة توافقية تطوي صفحة الخلاف الذي أثير حول الإجراءات الضريبة الجديدة  المتضمنة في مشروع قانون المالية 2023.

 ووفق الصيغة الجديدة، سيتم حذف التسبيق الضريبي  بالنسبة لكل قضية في مشروع قانون المالية لسنة 2023. وسيخير المحامي بين أداء مبلغ نهائي ضريبي قدره 300 درهم عن كل قضية موضوعة بشكل نهائي وشامل للمرحلة الابتدائية والاستئنافية والنقض وغير قابل للمراجعة، وبين التصريح بعدد القضايا في نهاية كل 6 أشهر للأداء عنها في حدود المبلغ المذكور أعلاه.

كما ينص الاتفاق لى إعفاء الملفات المقدمة في إطار الفصل 148 من قانون المسطرة المدنية وقضايا القرب من الأداء الضريبي نهائيا، وإعفاء قضايا منازعات الشغل وحوادث الشغل من الأداء إلى حين تنفيذ الحكم.

وجرى الاتفاق كذلك حول إعفاء المحامين الجدد لفترة ثلاث سنوات الأولى من الممارسة المهنية من الضريبة والمسجلين الجدد ضريبيا إلى غاية نهاية هذه السنة.

الحكومة مدفوعة بالتزامها بالحوار وتغليبها للمصلحة العامة. وفي سياق حرصها على  السلم  والاستقرار الاجتماعي، اضطرت إلى تقديم تنازلات مراعاة للظرفية الحالية، وتغليبا لمنطق التدرج الذي تفرضه بعض الإصلاحات.

 وعلى منوال المحامين، رفضت عدد من النقابات الطبية والصيدلانية في القطاع الحر، إضافة إلى  الموثقين والمهندسين المقتضيات التي جاء بها مشروع قانون المالية لسنة 2023،  والتي تهم رفع  ضريبة الأرباح على الشركات واعتماد ضريبة الاقتطاع من المنبع.

فهددت بدورها بالاحتجاج، دون مراعاة السياق والظرفية، ودون مراعاة ضرورة  دعم جهود الدولة في تنفيذ المشاريع الإصلاحية الكفيلة بدعم مسار الديمقراطية والتحول من الاقتصاد المبني على الريع والامتيازات إلى الاقتصاد المنتج المؤسس على العمل والإنتاج والواجبات، ومنها الواجبات الضريبية الذي يقطع مع الريع الضريبي.

وتنم هذه الاحتجاجات على رغبة دفينة لدى بعض الفئات المهنية  في  الاستمرار في الاستفادة من الوضع الموروث وإدامة مناخ الريع الذي كان سائدا وعدم محاسبتهم بصرامة على حقيقة المداخيل والأرباح التي يجنونها، والتملص الضريبي، ورفضهم للشفافية والعدالة الضريبية.

ورغم أن غالبية المنتسبين لهذه الهيئات يحققون رقم معاملات مرتفعة، لا يصرحون  بها كاملة، إلا أنهم يرفضون التخلي عن منطق الامتيازات الضريبية ضدا على القانون وضدا على منطق الواجبات تجاه الدولة، في سياق صعب تجد الدولة نفسها في حاجة إلى محاربة الريع الضريبي،  وتوسيع وعائها الضريبي وتعزيز آليات التضامن الضريبي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *