حين اختلف زعماء الثورة الجزائرية فيما بينهم و شددوا الخناق على بعضهم البعض، اختار محمد بوضياف أن لا يشارك في الصراع الداخلي الناشب بين ثوار الأمس غداة الاستقلال.

غادر الجزائر نحو مدينة القنيطرة، شمال-غرب  المغرب التي اختارها كمنفى إختياري، و فيها لبث بمعية عائلته لنحو ثلاثين عاما.

عاش محمد بوضياف، في مدينة القنيطرة معززًا مكرمًا، إلى أن أصبح شخصية محبوبة لدى جميع القنيطريين، ولدى عموم المغاربة

لقد كان بوضياف،  يؤكد على الدوام دعم المغاربة غير المشروط للثورة الجزائرية..

كان محمد بوضياف يحلم بجزائر قوّية تعتمد على نفسها و توظف ثرواتها النفطية في خدمة شعبها  وتعمل على تحقيق الأهداف الكبرى التي سطرتها ثورة التحرير بدماء شهدائها

غير أن الواقع كان خلاف ذلك، فرفاق الأمس بلغهم التمزق حدّ قرب اندلاع حرب أهلية، هو  ما أبرزه محمد بوضياف في كتابه “الجزائر إلى أين؟” الذي خصصه لمعالجة مصير الثورة الجزائرية والخلل الذي إنتاب مسيرتها.

كان محمد بوضياف في مدينة القنيطرة محط رعاية العاهل المغربي الراحل الحسن الثاني، كما كان محل احترام وتقدير كل القنيطريين.

تمكّن بعمله و جهده و مثابرته في مصنع الأجور الذي أقامه في المدينة المغربية، من تحقيق ثروة تكفل له ولأبنائه وزوجته العيش بكرامة.

لذلك حين عُيّن على رأس المجلس الأعلى للدولة مطلع العام 1992 رفض أن يتقاضى راتبًا شهريًا، تأكيدًا لنزاهته و رغبة منه في التضحية من أجل إخراج الجزائر من عنق الزجاجة.

حين تفاقمت الأزمات السياسية والاقتصادية و المالية في الجزائر، و باتت البلاد على وشك الغرق، فكر قادة الجيش الجزائري في الاستنجاد بشخصية وطنية محورية من وجوه ثورة التحرير الجزائرية تتمتع بشعبية لدى الجزائريين فاهتدوا إلى محمد بوضياف.

أقنع الجيش الجزائري محمد بوضياف بالعودة إلى الجزائر  عام 1992، فاعتبرت بعض الأوساط السياسية و العسكرية عودته ب”غير المناسبة” وقد قال البعض بصددها مقولة تداولها الجميع آنذاك وهي “الرجل المناسب في الوقت غير المناسب”.

عاد محمد بوضياف، إلى الجزائر في وقت كانت فيه تلتهب وتتهاوى وسط صراع مرير بين مؤسسة الجيش والجبهة الإسلامية للانقاذ، و تسبب هذا الصراع في تفجير الأوضاع الداخلية في البلاد.

وصل، إلى مطار هواري بومدين في الجزائر العاصمة بعد ثلاثة عقود من الغياب، و ما إن لمست قدماه أرض الجزائر حتى صرح قائلا : “جئت لإنقاذ الجزائر”

وجه خطابًا للشعب الجزائري تعهد فيه باجثتات الفساد و إحقاق العدالة الاجتماعية وطلب من الشعب مساعدته بدعمه في تحقيق أهدافه.

عندما شرع الرئيس،  في كشف الفساد و توعد رؤوسهم الكبيرة في خطبه، و أمر بتوقيف المختلسين و فتح ملفاتهم ، علّق الشارع الجزاري قائلا بأن الرجل أضحى في خطر محقق.

بعد مدة قصيرة من وصوله إلى الجزائر، عاد الرئيس بوضياف إلى المغرب في زيارة خاصة غير معلنة، قابل خلالها الملك الحسن الثاني في الرباط، فوعده بالعمل على أن ترفع الجزائر يدها نهائيًا عن قضية الصحراء تمهيدًا لبناء علاقات مغربية جزائرية متميزة و شراكة متينة بين البلدين فقد كان هذا أحد أهدافه، فلم تغفر له مؤسسة الجيش في الجزائر ذلك.

يوم 29 يونيو 1992 (مثل هذا اليوم) عند منتصف النهار، كان الرئيس الجزائري محمد بوضياف يلقي خطابًا في المركز  الثقافي في مدينة عنابة، يتحدث فيه عن الأمم التي تقدمت و تطورت بالعلم، قبل أن تنفجر قنبلة  صغيرة أمام المنصة، وحين التفت الرئيس أفرغ جندي خلفه وراء الستار  رشاشه في جسده.

وفي نفس اليوم جرى الإعلان عن اغتيال الرئيس الجزائري من طرف الملازم مبارك بومغراف أحد عناصر القوات الخاصة.

رحم الله واحدا من أعظم رجال الجزائر و أسكنه الفردوس الأعلى مع نبينا الكريم و الصالحين الأبرار.

*محمد وانسي(صحفي مغربي مقيم في الإمارات)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.