في باب المقارنة مابين الشيخ بنكيران ورجل الأعمال أخنوش ومابين حزب الإسلاميين وحزب الأحرار ، يظهر قول الفقهاء أنه لا قياس مع وجود الفارق، لكننا في السياسة نقول أن القياس وارد بحكم الاشتراك في مساحة الوطن وتدبير الدولة. هذا القياس من بين  ما يؤسس عليه، هو لغة الخطاب وتقنيات العمل وبنية التنظيم.

صراحة البون شاسع بين الرجلين، والفروق تكاد تكون عظيمة بين التنظيمين. على كل حال لنحاول بناء بورتريهات على أساس اللغة، والعمل والتنظيم.

في باب اللغة يقول الشيخ بنكيران كل الكلمات وكل شيء وكأن له مدلولين واحدٌ ظرفي يحاول  جاهدا الاقتراب من خطاب العصر الحالي والآخر باطني يستعمل فيه ما تعلَّمه في مراجع قرون سابقة في الوعظ والدرس والأصول.

هذا ما يجعل خطابه ملغوما  لأنه يحمل في طياته معانٍ أكل عليها الدهر وشرب ولكن الحركة الإسلامية أعادت اجترارها وإحيائها دون الاكتراث بمدى انسجامها مع التطورات الفكرية والمجتمعية اللاحقة والحديثة. هذا التشبث بماضوية الخطاب المغلف بغلاف السياسة الحديثة هو عبارة عن ضعف في مواجهة صدمة الحداثة.

القرآن وحده هو الذي جعله الله صالحا لكل زمان ومكان، أما بقية كلمات الخلق من سلف ألفوا الكتب في التدين وأصوله، كلها قابلة للمراجعة والفحص وربما، كما يقول كارل بوبر، قابلة للدحض والتكذيب في الكثير من الأحيان . وقد دُحِضَت كثير من مواقف الإسلاميين لاسيما في علم السياسة وقضايا الخلافة بالإضافة إلى تفكيك منظومة الطهرانية الأخلاقية خصوصا عند الإسلاميين المغاربة وبالضبط  على مستوى التطابق الخلقي في الشرف والعرض والنزوات.

الدولة بمفهومها العصري، لا تحتاج إلى هذه اللغة، لغة استمالة بسطاء التفكير بخطاب ماضوي، تقليداني، شبه محافظ، يحاول أن يوهم الناس بأن الحفاظ على بنية المجتمع الأبيسية والبطريركية هو حفاظ على الدين.

لهذا ظهرت الحركة الإسلامية المغربية وكأنها تحافظ على مصالحها الذكورية عبر خطاب محافظ لا يمت لحاجيات المجتمع بصلة بل ويريد إعادة بنائه بدل التفاعل مع مقتضياته المعيشية.

عزيز أخنوش شخص متعلم شاء القدر أن يكون إبن عائلة تمارس التجارة، التي قال عنها رسول الاسلام، أنها تسعة أعشار الرزق، وقد أوصانا أن نعلم أبناءنا التجارة ولا نعلمهم الإجارة، لسبب بسيط هو أن التجارة تبني الشخصية المستقلة وتساهم في إنتاج الثروة وتشغيل العباد ومساعدة الدولة لتستقل عن ضغوط الاجانب.

رجل الأعمال عزيز أخنوش، يعرف لغة واحدة، لغة فقه بناء السياسات الاقتصادية  على أساس تجربته وتعلمه، من أجل الوفرة والربح للجميع. لغة لا تحرم ولا تحلل، لا تفرض قيودا على الناس، لغة واضحة معززة بالأرقام والمعطيات،. لغة تقتضي النجاح والفشل؛ لغة إنسية بعيدة كل البعد عن من يدعون  امتلاك حقيقة المعنى الرباني المتجسد في النصوص القابلة أصلا للتأويل.

عمل أخنوش هو حلقة صغيرة في سلسلة حلقات ومشاريع الدولة ككل، التي تمتد لقرون وستعيش أطول، وما عليه في زمن قيادته إلا أن يقدم حلولا متدرجة تفيد الظرفية، بدون الدخول في معارك كلامية وسب وقذف كما كان ولازال يفعل الشيخ عبد الإله، لأن هذه المعارك سرعان ما تصبح شخصية  نفسية تقتات من  زمن الدولة والشعب، وترهق المجتمع، وتطيل أمد الاصلاح. المنطق يقول إن بنكيران أنهى فترته في القيادة بما لها وعليها، وما على الجميع إلا التحلي بروح رياضية والسماح لاخنوش بإنهاء فترته والنتائج هي الفيصل، بدون نسيان أن للدولة المغربية  قائد يحميها وهو فوق الجميع في الصلاحيات وبعد النظر وهو أدرى بمصالحها وضرورة دوامها.

صحيح أن أخنوش لن يفسر لك آية قرآنية أو حديثا نبويا، وقد قال الحلاج في هذا الباب ” ما لي و للناس كم يلحونني سفها..ديني لنفسي و دين الناس للناسِ”.

لم نصوت على أخنوش ليقوم بتفسير الآيات كما كان يحلو للبيجيديين فعله ولا لتنزيل نظرته الدينية على الواقع كما حاول الإسلاميون قبله يائسين. فالرسائل السماوية توجهت للفرد بالتوجيهات قبل التوجه للأمم بتوجيهات  العدل والانصاف، لأن الدولة ما هي إلا أفراد اذا صلحوا صلحت.

ذلك أيضا لأن اخنوش يفهم جيدا أن الدولة أكبر وأطول عمرا من الجميع؛ إنها “الحقبة الطويلة” بمفهوم فيرناند بروديل، وهي مقولة أكبر بكثير من ابن كيران الذي ظن أنه يمكن له السباحة فوق التاريخ (ومن أخنوش كذلك). لهذا يركز أخنوش على  التقاول وكيف له أن يوظف ما تعلمه في مقاربة التشارك في الانتاج من أجل أن أن يعلمك قواعد تأسيس مشروع رابح تحقق به ذاتك ووجودك وكرامتك.

الشيء الذي لا يفقه فيه الشيخ بنكيران شيئا. فقد خرج علينا الشيخ في باب المقاصة والزيادة في الأسعار وفي التقاعد فلم نسمع منه فتوى في ذلك تفك عنا الضغوط، ببساطة لأن فاقد الشيء لا يعطيه. ولأن ما يهمه هو تخليق الجتمع من منظاره الضيق للأخلاق وليس لمساعدته كسب لقمة عيش وتحقيق الكرامة وهي قمة الأخلاق.

الشيخ بنكيران يمارس ما تعلمه في مدرسة تقليدية، فيروي الحكايات في حلقات فرجة جد ممتعة، ويفسر آيات كتاب الله في موسم الصوم، ويسب الخصوم السياسيين بعد العيد. الدين سلاح يشهره إن استعصى عليه الواقع؛ والسب والشتم وسيلة لتفادي مقارعة الأفكار. والتنكيت وسيلة لإلهاء الشعب وجعله يغض الطرف عن عدم قدرة البيجيديين لا في التسيير ولا التدبير ولا التخطيط ولا المراقبة ولاهم يحزنون.

الشيخ عبد الإله عندما يتناول موضوع التدين فإنه يستند على الحجج والفقه وأركان التفسير، لكنه عندما يتناول موضوع الدولة والشعب لا نجده يفصل في أركان الدولة وأسس بناء الحكم والتدبير. كل أفكاره وتدخلاته حول الدولة هي مجرد خصوماتمع كل من مر من مؤسساتها، فالرجل لايكاد يعيش بدون خصم أو بدون شخص يسبه، فهذه هي السياقات الوحيدة التي تخرجه من الكهف بورق لايسمن ولا يغني من جوع، ولن تحرجه حتى كورونا ليتضامن مع الشعب أثناء فترات الحجر الصحي والإغلاقات، ولعلنا كنا بحاجة إليه حينها بشكل كبير.

حزب البيجيدي شنف مسامع المغاربة منذ نشأته،  بالتغني بالديمقراطية الداخلية، فإذا بنا نرى نفس وجوه التأسيس، التي هي نفسها وجوه التنظيمات الإسلامية التي اجتمعت في الحزب، والتي ظهرت ومارست منذ السبعينيات، هي نفسها اليوم تتناوب على القيادة وعلى هياكل التنظيم، فأي ميكانيزمات ديمقراطية هاته التي تنتج نفس الوجوه منذ حوالي 25 سنة؟.

التجمع الوطني للأحرار من الأحزاب القلائل (ما عدا الاتحاد الاشتراكي الذي نسبيا جدد زعاماته منذ موت عبد الرحيم بوعبيد، وهو مكتسب أجهز عليه إدريس لشكر) الذي تناوب على قيادته شخصيات متعددة ولمدد جد معقولة، خصوصا منذ بداية العهد الجديد ومنذ نشأة البيجيدي. وربما لهذا السبب قال الباحثون المهتمون بالحزب الاسلامي، إن كثرة المراجعات التي يقوم بها هذا الحزب (البيجيدي) من حين لآخر تدل على عدم نضجه وعلى كثرة أخطائه، وعلى فشله في ايجاد خطاب دولة وخطاب سياسات عمومية منذ النشأة.

فهل سمع أحد أن التجمع الوطني قام بمراجعات مثلا حول مرجعيته الليبرالية يوما ما؟ وهل سمع أحد عن قيام هذا التنظيم بالانتماء إلى تيار فكري عالمي كما الشأن بالنسبة للبيجيدي في انتمائه للحركة السفلية السرورية العالمية، ثم انسحب منها وراجع فكره وأدواته؟ لا طبعا لم يحدث ذلك، بل ظل الأحرار، رغم تعثرات وأخطاء هنا وهناك، اوفياء للخط الذي رسموه منذ التأسيس: دعم مقومات الدولة واستقراراها والتدرج في الإصلاح الذي يقود نحو رخاء المواطن المغربي، ولم يتبن أي موقف صدامي مع الدولة أو مع المجتمع فيما يخص الحياة الخاصة لكل فرد.

هذه بعض الفروق بين الكيانين قد تسعف كل شخص موضوعي، في أن ينتبه إلى طرق وأساليب الممارسة السياسية ببلادنا، وقد تكون مفيدة في فهم أزمة التيارات الإسلامية في العالم العربي و في ارتباكها، وترددها و عدم قدرتها على بناء ديمومة في التواجد في قلب المجتمع والدولة.

*كاتب رأي: حكيم لمطارقي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.