*عبد الإله الجواهري

 

حكمت محكمة، بمدينة الرباط، قبل مدة، لصالح “كاتب سيناريو”، بتعويض مالي قدره 350 مليون سنتيم (350.000.00 يورو)، أي ما يعادل إنتاج فيلم متوسط الكلفة بالمغرب، الحكم جاء قاسيًا في حق منتج ومخرج شاب يعيش بهولندا، حيث تم إتهامه بالسطو على “السيناريو” الأصل الذي حقق من خلاله الفيلم الروائي الطويل “الطريق إلى الجنة”.

إعتمدت رئيسة الجلسة في حكمها على تقرير خبير محلف متخصص في الملكية الفكرية والعلمية والفنية يمارس مهام التحكيم بمحكمة الاستئناف بأكادير..

شخصيًا عندما قرأت الخبر أول الأمر، أحسست بالإرتياح، كون محاكمنا بدأت تهتم بمثل هذه القضايا، وتعيد الاعتبار لكتاب السيناريو الذين تتعرض بعض أعمالهم للسطو، مع تسجيل تحفظي على مبلغ التعويض، مقارنة بالميزانيات التي تنتج بها المشاريع الفيلمية بالمغرب عامة، إضافة إلى أن الفيلم، موضوع الإتهام، تم إنتاجه إنتاجا ذاتيًا خاصًا، أي أن صاحبه لم يحصل على أي دعم من أية جهة.

البارحة إتصل بي منتج ومخرج الفيلم ليطلب مني المساندة في مواجهة هذا الحكم الجائر الذي صدر ضده، حكم، بالنسبة له، لا يقوم على أي أساس.

سبب الاتصال بي أنني أترأس “إتحاد المخرجين والمؤلفين المغاربة”.

لا أخفيكم، أنني تهيبت أول الأمر لاعتبارات جد متعددة، لكنه أصر، وطلب مني أن أكون نزيها في تقييمي، وإذا ما وجدت ولو نسبة عشرة في المائة من التشابه بين السيناريو المقدم للمحكمة والفيلم، فإنه سيقبل بأكثر مما حكمت به هذه المحكمة الموقرة…

فعلا قرأت “لسيناريو ” (الذي منحه لي)، لأكتشف بداية أنه مجرد نص مكتوب بشكل بدائي، حيث لا تتوفر فيه أدنى شروط كتابة قصة فبالأحرى سيناريو..

ومعلوم أن للسيناريو كتابة خاصة لها تقنياتها وشروطها الأساسية التي تميزها عن الأدب أو غيرها من الفنون.

لذلك، فالنص الذي اعتبر سيناريو وسندًا للحكم وقول أن قصته تتشابه وأحداث الفيلم، مجرد حكي مسترسل غير متناغم، بشخصيات متهلهلة، وأحداث جد سطحية، مع غياب أدنى تناسق في البناء، حيث يحكي قصة شاب إسمه عمر يتورط في عملية إرهابية.

هو نص لا يصلح، في إعتقادي، بأي حال من الأحوال أن يكون أساسا لفيلم سينمائي، علما أن أحداثه تدور بالرباط وسط الأحياء الشعبية، بينما أحداث الفيلم تحتضنها مدينة أمستردام الهولندية، دون إغفال الإشارة إلى أن النص يفتقد للحدود الدنيا للكتابة من حيث الوفاء لقواعد النحو والإملاء.

بعد قراءة النص، شاهدت الشريط، لأصاب بالصدمة، لأن سيناريو الفيلم وحكايته لا علاقة لها من قريب أو بعيد بالسيناريو المفترض أنه أساس الفيلم.

لقد تساءلت، كيف يمكن لخبير أن يقر في تقريره أن الفيلم مأخوذ كليًا عن السيناريو الموضوع لدى المحكمة؟ بينما حكاية الفيلم لا علاقة لها بالإرهاب تمامًا، بل تتمحور حول تمزق عائلة مغربية مقيمة بهولندا..

عائلة تجد نفسها تواجه إشكالات عديدة خاصة بعد إعتقال أحد أبنائها بتهمة الاتجار في المخدرات..

إعتقال سيكون له تأثير على العائلة وتماسكها، وضغط نفسي رهيب على نفسية أخيه الأصغر سنا، المتفوق دراسيًا، حيث سيجد نفسه في دوامة لا تنتهي من التحرش والمواقف العنصرية رغم محاولاته تجاوز الواقع والانسجام مع محيطه الهولندي.

لكن الظروف ستكون أقوى منه، وتدفع به في النهاية للسقوط بين أحضان التكفيريين، ومحاولة تجنيده للقيام بعملية إرهابية وسط سوق للورد والازهار، يبد أن وعيه سيعود في الدقائق الأخيرة من الفيلم، ويتصدى لرفيقه الذي كان سيصحبه في العملية الانتحارية…

أكيد، هناك شيئ غير واضح تمامًا في حيثيات نطق الحكم، تعود في إعتقادي لعوامل عديدة، أولها: عدم إختصاص المحكمة في مثل هذه القضية، وثانيها: مجانبة الخبير للحقيقة وهو يدبج تقريره الذي بنت على أساسه المحكمة حكمها. ثالثا: عدم المتابعة اللصيقة لتطورات القضية قبل نطق الحكم….

شخصيًا أتضامن مع المخرج وحيد السنوجي في محنته، وهو يواجه حكمًا قاسيًا، نتمنى أن يتم التراجع عنه في مرحلة الاستئناف.

كما أتمنى تدخل ومساندة مؤسسة المركز السينمائي المغربي له، وأن يكون طرفًا في عملية التحكيم، لأنها مؤسسة وصية على القطاع السينمائي بالمغرب، لها العديد من الموظفين المتخصصين في قراءة النصوص والحكم عليها…

 

*رئيس إتحاد المخرجين والمؤلفين المغاربة

*ملحوظة: المقال وجهة نظر الاستاذ الجواهري ولا يعكس موقف رسمي للاتحاد او الجريدة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

التعليقات
  1. شكرا المخرج والناقد عبد الاله الجواهري، لأنه مناضل حقيقي دائما يقف مع اصحاب الحق رغم أنه يتعرض لهجومات بعض الخوايضية فهو لايبالي بهم نصرة للسينما المغربية. كما أعلن تضامني مع الخرج الشاب وحيد السنوجي في محنته..