*حسن عين الحياة

 

إلى عهد قريب.. كان لـ”الشيخات”، كعنصر أساسي ضمن الفرق الموسيقية الشعبية، دورا محوريا في صناعة الفرجة، وإثراء الخزانة الفنية المغربية بأغاني مستقاة من التراث الأصيل، فضلا عن حضورهن الهيلماني في الأعراس والمواسم الشعبية والاحتفالات الوطنية والسهرات الأسبوعية التي كانت تُبث على شاشة التلفزة..

لقد كُنَّ ملح الطعام الذي يضفي نكهة خاصة على هذه المظاهر الاحتفالية المغربية الحبلى بالتنوع والتعدد، حتى أضحى وجودهن ترفا ثقافيا، يحمل عشاق الفرجة إلى المنسي من التراث الأصيل، خاصة المتعلق بفنون “العيطة” التي تتغنى بالقيم، كالشهامة والبطولة والكرم والوفاء ومحاربة الفساد في زمن “سطوة القيَّاد” والمقاومة، فضلا عن إبراز الجوانب المتعلقة بالجمال والخصوبة والفحولة التي ظلت وما تزال تلهب أذواق المغاربة.

الآن، في غمرة الإنتاج الغنائي الغزير وسرعة وسهولة إيصاله إلى الجمهور، أصبح الحديث عن “الشيخات” وما جادت به قريحتهن من “العيوط” يحيل إلى ما يصفه البعض بـ”الزمن الجميل”، خاصة بعد وفاة بعض “المَعلْمات الكبار”  و”الطبَّاعات” واعتزال أخريات للغناء… وهنا، يتخوف بعض المهتمين بـ”العيطة”، من خفوت نجم “الشيخات” في المستقبل القريب، وإن كان عدد منهن الآن، أصبحن مجرد “ديكور” لتأثيث بعض الفرق الموسيقية الشعبية، بالاعتماد على لغة الجسد، وتغييب شبه كلي للتراث الشفهي الكامن في قصائد العيطة.

 

“الشيخة”.. من لقب فخري إلى نعت قدحي

 

قبل الغوص في عوالم “الشيخات” ومقاربة حضورهن في المشهد الفني بين الأمس واليوم، ينبغي تحديد مفهوم “الشيخة” في المجتمعات العربية، وضمنها المغرب. فـ”الشيخة” وفق بعض التعاريف، تعتبر من أسماء العلم التي تطلق على الإناث، وقد أصبح استعمال هذا الاسم حديثا في عدد من المعاجم العربية، ويعني “السيدة” التي احتل شعرها الشيب وظهر عليها أثر السنين ومحاطة بهالة من الوقار.. بينما في دول الخليج العربي، إن “الشيخة” لقلب فخري، يعادل لقب الأميرة، ويطلق على الفتيات المنتميات للأسر الحاكمة بغض النظر عن سنهن.

وللمفارقة، فقد ارتبط اسم “الشيخة” في المغرب بالغناء والرقص وإحماء السهرات الليلية وإثارة الغرائز، وهنا، يقول الحسين السطاتي في أحد بحوثه، وهو فنان شعبي (شيخ العيطة)، إن “الشيخة” في مجتمعنا “هي تلك الفنانة الشعبية، عشقت حرفة الشيخة وامتهنتها لكنها تكره أن يقال لها أو عنها شيخة، وهي ظاهرة عصية على الفهم”. ويضيف أنها مخلوق هلامي، غير قابل للانقراض، فهي تختفي و تعود لتظهر من جديد، خُفاشية العيش، تنشط بالليل و تستريح بالنهار…

قناعة أم تحدي؟. بوطازوت تستعد لدور مهنة “طابو” بعد الشيخة حليمة

إنها وفق السطاتي (كوامانجي لمجموعة الشيخات) “ذلك الجسد المرمري المربرب الثائر المتمرد الذي يخافه الرجال قبل النساء، والذي يعذب الذكور ويقهر الإناث، هي تلك المرأة الجريئة الوقحة والخطيرة… التي تركت الاحتشام ولبست ثوب الابتذال، ينظرون إليها نظرة دونية وقدحية، الكل يرشقها ويرجمها، لكن لا يريدونها أن تموت، يرغبون أن يتركونها حية، ليستمعوا إليها ويستمتعوا بها متى يشاؤون، محبوبة بالليل ومنبوذة بالنهار”.

غير أن “الشيخة” عند باحثين آخرين، هي أيقونة متفردة في الأداء والحضور الباذخ ضمن المجموعات الغنائية الشعبية، التي تعتمد على الصوت النسائي في إبراز جماليات فن “العيطة”، كما أنها امرأة تحظى في بعض الأوساط بالوقار، بعيدا عن تمثلات النفاق الاجتماعي.

ويعود الحسين السطاتي لتقريب الصورة أكثر قائلا إنها “أم ليست كالأمهات، تعشق الأمومة وتخاف منها، تحمل أعباء الزوج والأبناء بشقاء، تعطي بسخاء وتأخذ بجفاء..”. هي تلك الأم التي ترقص على أحزانها، وتغني على حظها العاثر، هي الأم التي تريد أن تخبر العالم أنها امرأة صالحة لها بيت، زوج وأبناء.. لكن أبناءها، يقول السطاتي، “لا يريدون أن يقال لهم “أولاد الشيخة”.. الشيخة هي تلك المرأة التي يسهل طلاقها، ولا يجد طليقها صعوبة في إسقاط  حضانتها لأبنائها، بكل بساطة لأن الكل سيشهد له بأنها شيخة”.

 

حنين إلى “شيخات زمان”

 

لأن “الشيخة” ظلت منذ أزيد من قرن، جسرا لإنتاج فن “العيطة، فإن من ينصت اليوم لبعض “العيوط” الكامنة في أغنية “حاجتي فكريني” بصوت “الشيخة” خديجة مركوم و”الشيخة عيدة” أو “تْكَبَّت الخيل عالى الخيل” بصوت “الشيخة” الحامونية أو “خربوشة” التي أدتها أكثر من “شيخة” من “لمعلمات لكبار” أو أغنية “مولاي عبد الله الولي” بصوت “الشيخة” فاطنة بنت الحسين… سيتساءل، هل يمكن للزمن الجميل أن يعيد أمجاده الفنية؟ وقد يتساءل بحرقة، هل يمكن إنتاج سياسة ثقافية قادرة على تفريخ فنانات بحمولة “شيخات زمان” اللواتي تألقت أصواتهن العذبة بين العيطة الحصباوية والزعرية والمرساوية…”؟ وهل يمكن في خضم زحمة الإنتاج الغنائي الشبابي الذي يحاول تطويع الذوق وتنميطه في قالب واحد أن ينتج اليوم نجمات من “شيخات” متمكنات من أصول المهنة، كـ “كخدوج السطاتية والكوباص وزريقة بنت لوقيد وسعاد العبيدية والزحافة وفاطنة بنت الحسين والشيخة ضونا والحامونية ومركوم وخديجة البيضاوية وأخريات…”؟.

اليوم، يرى عدد من الباحثين، أن الظروف التي أفرزت مثل هذه العينة من “الشيخات”، لم تعد هي الموجودة الآن، وبالتالي، إن حضور “الشيخات” في بعض المظاهر الاحتفالية حاليا، لا يعدو أن يكون مجرد استعمال مشوه لاسم “الشيخة”، من خلال تحويلها إلى جسد محنط، يترنح ويتعرق من أجل شد الانتباه، عبر التركيز على تيمة الجسد الراقص، في منأى عن الصوت والقصيدة واللحن، الذي خلَّد أسماء الرائدات في سجل العيطة.

*كاتب صحفي ومسرحي وتشكيلي

قناعة أم تحدي؟. بوطازوت تستعد لدور مهنة “طابو” بعد الشيخة حليمة

*نشر بجريدة المنعطف

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *