في مثل هذا اليوم تمر مائة سنة على ميلاد نجيب محفوظ الأديب العالمي الذي لا زال مداده يؤرق الذاكرة العربية ويبهرها بإبداعاته.
إليكم مقالتي عنه تحت عنوان: “نجيب محفوظ كما عرفته”

في الذكرى المائة لميلادك
التَقَيْتُكَ فِي مَطْلَعِ شَبَابِي بِـ«زُقَاقِ المَدَقْ»، وأحْبَبْتُ مِثْلَ مَا أحْبَبْت حَمِيدَةْ، فَفِي أَرجَاسِ جَسَدِهَا يسكن الوطن، وبكيت لمَّا ضاعت ولازالت تضيع!

وَعَرَفْتُ عِيسَى فِي أَحْسَنِ حَالِ، ثُمَّ وهو يَكْبُو مِثْلَ السَّمَان فِي فَصْلِ الخَرِيفِ، وأيقنت سَاعَتَها أنَّ دَوَامَ الحَالِ مِنَ المُحَالِ، وأنَّ بِسَاطَ المَجْدِ يَقِفُ جِدَارًا إِذا هَبَّتِ الرِّيحُ !!

أنَاَ أَيْضًا ذَرَفْتُ مَعَ أَمِينَةَ دُمُوعَهَا فِي «الثُلَاثِيَةِ» وهي تَبْكِي وَلدَهَا فَهْمِي، وَقَدْ سَقَطَ تَحْتَ أَقْدَامِ المُسْتَعْمِرِ، وَرَأَيْتُ السَّيدَ أَحْمَد عَبْد الجَوادِ فِي عُنْفُوَانِ قُوَّتِهِ لا يَقْوَى عَلى تَمْشِيطِ الطَّريقِ أَمَامَ ابْنِهِ كَمَال. وَعَرَفْتُ عَنْ كَتَبٍ أنَّكَ أنْتَ كَمَال، هَذَا الحَائِرُ بَيْنَ الحَيَاةِ وَالمَوْتِ وَالخُلودِ!

أَنَا فِي فَتْرَةٍ مَّا صَاحَبْتُ بَطَلَكَ عُمَرَ فِي رواية «الشَحَّاذ»، وآلمَنِي أنْ أجِدَ ـ بَيْنَنَا ـ أصْدِقَاءَهُ اليَوْمَ، نَفْسُ العيْن القَلِقَةُ، وَشَقَاءُ العَقْلِ، وَمَلَلُ الفُؤَادِ، وبِجِوَارهِمْ عُيُونُ ألمَهَا لا تَبْعَثُ فِي النَّبْضِ شَيْئًا، وتَعَلَّمْتُ منْ عُمَرَ تِلْكَ النَّظْرَة الثَاقِبَةُ للأُمُورِ، ذَلِكَ الشعُور المُتَمَيِّز اللاَّئِق بِرَجُلِ المَعْرِفَةِ!

وَكُنْتُ مِنَ الحَاضِرينَ فِي «القَاهِرَةِ الجَدِيدة» وَعِشْتُ الفَضِيحَةَ بِكُلِّ تَفَاصِيلِهَا:

مَهْوُوسٌ.. مَقْهُورٌ، مُنْفَلِتٌ يَهْدِي زَوْجَتَهُ قُرْبَانًا مِنْ أَجْلِ الوظِيفةِ!

وَمَازِلْتُ أرى بَطَلَكَ فِي أنحَاء أُخْرَى هَنَا، يَرْتَدِي نَفْسَ اللِّبَاسِ دُونَمَا حِشْمَةٍ أوْ حَيَاءٍ، وحَوْلَهُ يُصَفِّقُ الجُمْهُور ضَاحِكًا، لاَهِيًا مُؤَيِّدًا!!

وفِي رِوَايَتي «الطَّرِيق» و«اللِّصُ وَالكِلاَبُ» تَعَرَّفْتُ عُلَى بَطَلَيْنِ يَتَلَمَّسَانِ الهُدَى بَيْنَ الفَوَانيسِ والأَشْوَاكَ، وَكَمْ أحْزَنَتْنِي النِّهَايَةُ فَكأنّمَا قَدَرُ الدَّنْيَا أَنْ يَمْتَحِنَ الأَلَمُ الرِّجَالَ وَلاَ يَنْتَهِي المِشْوارُ، فَلِكُلَّ نَاسِ طَريق!
وَاكْتَشَفْتُ فِي «أَوْلاَدِ حَارَتِنَا» أنَّكَ فِي زُمْرَةِ المُتَسَائِلِينَ المُؤْمِنين، تَرَى القُوَّةَ فِي الدِّينِ والعِلْمِ والمَالِ. وَعَجَزَ المُتَهَافِتُونَ عَنْ فَهْمِ الرَّمْزِ، فثَارُوا وانفَضُّوا مِنْ حَوْلِك.

وَلمْ يَمْهَلْكَ القَدَرُ كَيْ تَقْرَأَ آخِرَ أَحْلاَمِكَ الثَّلاَثَةِ: أحَاسِيسُ شَيْخٍ اخْتَارَ قَلَمَهُ مِهَمَازًا فِي الحَيَاةِ، وَفَانُوساً يُفَسرُ الغُمُوضَ، ومِبْضَعًا يَنْكَأُ الجُرْوحَ بِقُفَّازِ مِن حَرِير.

هَكَذَا تَكَلَّمَ نَجِيب مَحْفُوظْ: «المَوْتُ أَهْوَن مِن الخَوْفِ مِنَ المَوْتِ» لَكِنّكَ لَمْ تَمُت، نَتَنَاثَرُ أَشْلاءُ الهَيْكَلَ العَظْمِي، ويبقى العَطَاءُ، وَيَحُزُّ في نَفْسِ الحَاِلمِ أَن يَسِيرَ لِوَحْدِه فِي لَيْلٍ بَهِيمٍ، إنَّهُ سَيْفُ الغُرْبَةِ. يَقُولُ نَجِيب مَحْفُوظ: «رَأَيْتُنِي سَائِرا في الطَّريقِ في الهَزِيعِ الأخير مِنَ اللّيْلِ، فَتَرَامَى إلى سَمْعِي صَوْتٌ جَمِيلٌ وَهُو يُغَنِّي : «زُورُونِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً».
لاَ …أَيُّهَا الهَرَمُ الخَالِدُ، مُريدُوكَ مِنَ المُثَقَّفِينَ يَزُورُنكَ فِي كُلِّ آنٍ، فَأنْتَ حَيٌّ يُرْزَقُ بِمَا أَسْدَيْتَ لِوَطَنِكَ وللإنْسَانِيَةِ جَمْعَاء: أدِيبًا مُلْتَزِمًا، ومُفَكِّراً رَائِداً…

#رشيد
#مشقاقة
رئيس #المنتدى المغربي للقضاة الباحثين.

#تقرير للجزيرة

نجيب #محفوظ أول أديب عربي يحصل على #جائزة نوبل وتعرض لمحاولة اغتيال بسب رواية«أَوْلاَدِ حَارَتِنَا»

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.