الفنثقافةمدونون

أضـاعُـوني.. أوراق مـن سيـرة مُجـاز مُعطـّـَل (يوميـات)

 

عبد الرزاق بوتمُزّار

 

ح. 9


إيرِنديرا البَريئة، رمضان كـريمْ!

في ذلك الموسم الدّراسي المثالي، في أواخر الثمانينيات، كان لدينا أستاذ للغة العربية قلّما تحتضن مدارسُنا العمومية أمثاله. كانت له فلسفة خاصّة في التعامل مع التلاميذ وطريقة مُبدِعة في تلقين لغة الضّاد، إذ يُتقن عمله إتقاناً عجيبا؛ يُوظف التّشبيهاتِ والاستعارات والصّورَ الشّعريةَ توظيفاً عجيباً، كما مُبدعٍ مُتمرِّسٍ، خارجٍ لتوّه من أحد عُصور الأدب الزّاهية.

لم نتأخّر في تصنيف حصته كأفضل الحصص الدّراسية على الإطلاق. يُحبّ الابتكار والابتعاد عن الأساليب التقليدية ولديه برنامج خاصّ لكل حصّة على حِدَة. ولم نكن نُفاجَأ عندما نجده في انتظارنا في إحداها وجهازُ التّسجيل فوق مكتبه، بدلَ كتاب المطالعة التليد، أو مُمسكاً بين يديه كتاباً أدبيا لا علاقةَ له بمادّة النحو ولا بقواعد لغة الضّاد.

مرّاتٍ كثيرةً جعلنا نرقص، بتواطؤ وإيعاز منه، على إيقاعات الرّيغي أو الكانتري أو نستكين إلى مقاعدنا في صمت مُتطلعٍ إلى قراءاتٍ مُختارةٍ من أحد النّصوص الرّاقية. عندما كان أحدُنا يُلمِّح له إلى إمكان احتكاكه بإدارة المُؤسَّسة، بسبب توجّهاته واختياراته، يُذكّرنا، ضاحكاً، بالمرّات الكثيرة التي جعل فيها المُديرَ أضحوكةً في مسرحياته وأعماله التي يُبدعها ويعرضها في بعض المُناسَبات داخل المُؤسَّسة، والتي غالباً ما ذاق حضرة المُدير صهدَ سياطها المُوجعة ليُقرّر، في الأخير، تركَه وشأنه. كان الأستاذ حسن -وكان اسماً على مُسمّى- شاعراً من طينة خاصّة، رجلاً آخرَ من عالم مُواز، ثورياً في زمن تناسَلَ فيه اللاهثون والمُهرْوِلون.

بحلول رمضان، الذي صادف منتصف العام الدّراسي، حضّر لنا مُفاجَأة لم تكن في حسبانِ أشدّنا إيغالاً في الخيال. في أول حصة من ذلك الشّهر، جلس “بّا حسن”، كما كنتُ أُحِبّ أن أناديّه، إلى مكتبه وخاطبَنا قائلاً:

-على امتداد هذا الشّهر، سأتولى سردَ فقرات من هذا الكتاب، وأرجو أن تعيروني انتباهكم جيدا؛ ستنسَوْن موادّ المُقرّر، ولو إلى حين.

قالها، ثمّ قام من على كرسيّه ووقف مُستنداً إلى ظهر المكتب وشرع، في الحين، يقرأ من رواية “إيرينديرا البريئة” للأديب الكولومبي الكبير غابرييل غارسيا ماركيز، من نسخة أنيقة مُترجَمة إلى العربية.

تحكي الرّواية عن فتاة صغيرة وبريئة اسمها إيرنديرا، تفرض عليها جدّتُها القاسية أشغالاً يومية شاقة؛ لتجد الفتاة، ابنةُ الأربعة عشر ربيعا بالكاد، نفسها آلة بشرية لتنفيذ الأوامر التي لا تتوقّف لجدّتها الضّارية، حتى والأخيرةُ نائمة! وانتقاماً منها، لتَسبّبها في إحراق خيمتها، تُحوّل الجدّة طفلتها إيرينديرَا إلى آلة جنسية لجني المال، الشّيء الوحيد الذي لا يزال في إمكان الشّمطاء الحصولُ عليه في الحياة، التي هجرتْ رُوحَها قبل جسدها؛ جسدٍ ضخم كانت المسكينة إيرينديرَا مُجبَرة على تحميمه وتعطيره يوميا بعد انتهائها من “خدمة” طوابيرَ من طالبي اللذة، الذين يصطفّون يوميا بالعشرات لنهش جسدها.

ودون أن تقيم وزناً لعذابات الصّغيرة أو لنفسيتها المُتأزّمة، وإمعاناً من العجوز في الانتقام من جمال حفيدتها وبراءتها، طلبتْ من ساعي بريدٍ، كان ضمن أول مَن باعتهم جسدَ حفيدتها الغضّ، أن ينشر الخبر في كلّ الضّاحية، لتتقاطر أفواج طالبي اللذة، الذين استغلت الجدّة كبْتهم للزّجّ بالمسكينة بين أحضانهم؛ ليتعاقبوا على نهش جسدها واغتصاب طفولتها كلَّ يوم بالعشرات.

عندما تخلّصتْ إيرينديرا، أخيرا، من الجدّة الفظّة بقتلها، بتواطؤ مع عشيقها، كنّا قد ودّعنا رمضان ذاك العام بغيرِ قليل من المُتعة والاستفادة والنّهل من مَعين أديب عالميّ بقراءةِ أستاذ عالميّ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة