عبد الواحد الفاسي

الذين جاؤوا بهذا الإصلاح المزعوم حول العربية ينطبق عليهم هذان البيتان الشعريان للعلامة المختار السوسي:

بربك مهلا أيها المدعي مهلا       فعند امتحان المرء يُكرم أو يَصلى
فكم مدّعي الإصلاح لكنه إذا     تولى سعى فأهلك الحرث والنسلا…

عندما تم اختيار اللغة العربية من أجل تدريس المواد العلمية، كان مهندسو هذا الإجراء أذكياء حينما حافظوا على الصيغ (formules) نفسِها والمعادلات (équations) نفسها، كما كانت مكتوبة في الأصل وكما هي مستعملة دوليا. وعلى سبيل المثال، المعادلة التالية التي تُكتب: (a+b)2=(a+b)(a+b) إذ لم يطرأ عليها أي تغيير. وبالتالي فإن الطالب يستطيع أن يتكيف، وبسرعة، مع أي لغة لأن المادة الخام، أي المعادلات والصيغ هي ذاتُها. وخير دليل على هذا الأمر أن الشبان المغاربة كانوا متفوقين في المجالات العلمية حين كان التعليم باللغة الفرنسية، هذا صحيح، ولكنْ هل وقع أي تغيير بعد تعريب تعليم المواد العلمية والرياضيات؟

بالعكس، نجد أن عدد المتفوقين لم ينخفض، بل تضاعف بالنسبة إلى الطلبة الذين تفوقوا في اجتياز مباريات المدارس العليا، كمدرسة البولتيكنيك في فرنسا مثلا، مع العلم أن األبية هؤلاء حصلوا على شهادة الباكلوريا من المدرسة العمومية. وهذا فقط من أجل توضيح أن الحكم كان خاطئا باعتبار أن التعريب قد أضعف تفوق الطلاب في العلوم الرياضية والفيزياء والكيمياء. والدليل، أيضا، أن كل الدول التي تقوم بتدريس المواد العلمية بلغتها الرسمية لم تعرف قط أي تراجع (كوريا مثلا).

إذن، فالهدف من هذه الحملة التحقيرية للغة العربية هو العمل، كما جرت العادة، على فرض اللغة الفرنسية كلغة حية ووحيدة. فبعد الذي حصل مع الترويج للدارجة “العاميّة”، ها نحن إذن، مرة أخرى، أمام محاولة جديدة للتنقيص من قدرات اللغة العربية. فالمغرب بلد مستقلّ منذ 63 سنة، لكنْ هل كل المغاربة استطاعوا أن يتحرّروا من الاستعمار الفكري؟ وهل هؤلاء الذين يدافعون عن هذه الأفكار الهدّامة مازالوا يعملون لصالح الاستعمار في إطار الاسترزاق؟ إن بعض الظن إثم، ولكنْ من حقنا أن نتساءل..

المشكل لا يوجد بتاتا على مستوى لغة تدريس المواد العلمية، لكنه يوجد أصلا في منطق أولئك الذين أوقفوا تدريس المواد العلمية باللغة العربية عند مستوى الباكلوريا، ليبقى ويستمر تدريسها في التعليم العالي باللغة الفرنسية؛ إنه العبث!

والحقيقة أن المشكل يكمن في التعليم ككل، وليس فقط في تعليم المواد العلمية. وهكذا نجد أن الطالب في مستوى الباكلوريا لا يتمكن من إتقان اللغة العربية ولا الفرنسية على السواء. أي أنه يبقى متفوقا في الرياضيات والفيزياء والكيمياء كيفما كانت اللغة؛ في الوقت الذي يكون عاجزا عن تكوين جملة صحيحة في كل اللغات. ولا يمكن أن يتجاوز هذا المأزق إلا أولئك الذين حالفهم الحظ بكون آبائهم استطاعوا أن يوفّروا لهم إمكان تكميل تكوينهم بصفة موازية (دروس خصوصية، مدارس خاصة جدية… إلخ).

إذن، فالمشكل قائ على مستوى التعليم وليس على مستوى تعريب التعليم.. وإذا أردنا، حقا، إصلاح التعليم والعمل من أجل مصلحة الوطن يجب إعطاء أهمية خاصة للتعليم الابتدائي. فالتلميذ الذي يصل إلى مستوى الشهادة الابتدائية أو مستوى الإعدادي ولا يستطيع القراءة أو الكتابة باللغة العربية بكيفية سليمة لن يتمكن القيام بذلك أبدا.

إن من لا يملك أسس الرياضيات، ومن لم يتعلم قواعد اللغة الفرنسية أو اللغة الإنجليزية أو أسس اللغة الأمازيغية، إضافة إلى التربية الوطنية والأخلاقية، لا يمكنه أن يكون تلميذا واثقا من مستقبله. يمكنه أن يكون متفوقا في الرياضيات إذا كان موهوبا، لكنّ ذلك لا يجعل منه مواطنا مكتملا. فإذا استطعنا إنجاح المرحلة الابتدائية، فإن المتبقى يكون سهلا. وبالتالي لا يمكن تهميش اللغة العربية، وأيضا بقية اللغات.

فلكي يحقق الطالب في الشعب العلمية النجاح في الباكلوريا فهو يعرف أنه يجب عليه الحصول على نقط جيدة في مواد الرياضيات والفيزياء… لكون المعامل في هذه المواد مرتفعا جدا. بينما يبقى المعامل المحدد للغة العربية ضعيفا جد،ا والتي من الفروض أن تكون غير ذلك لكونها الوعاءَ الحامل والأداة الأساسية الناقلة للمعرفة. “إن الذي يتم تصوره بكيفية جيدة يتمّ التعبير عنه بكل وضوح، والكلمات التي يُنطق بها تأتي بكيفية سلسة”، كما قال بوالو (Boileau).

إذن، من الضروري تثمين اللغة بالعمل على رفع مُعاملها. وبجانب ذلك، يجب “تخفيف” البرامج التي ترهق الطالب ومن حمولة محفظة كتبه التي تثقل كاهله.

إن التعليم باللغة العربية يجب أن يُفرض بالكيفية ذاتها وبالشروط ذاتها في كل المدارس، وحتى المدارس الخاصة ومدارس البعثات الأجنبية التي تريد أن تستمر في التدريس في المغرب. كما يجب ألا يُسمح لكل شخص غير قادر على الكتابة أو التعبير الصحيح باللغة العربية بولوج الوظيفة العمومية..

إن المشكل في المغرب يرجع إلى الاهتمام الزائد بالقضايا السطحية والهامشية، حتى لا أقول التافهة، التي تسلب من المواطنين وقتهم وتصرِفُهم عن القضايا الأساسية في حاضرهم ومستقبلهم. نعطي الأهمية لأحداث تتعلق بالعلاقات الخاصة لأشخاص، مثل ما يروج في وسائل التواصل الاجتماعي أو من يدرسون في البعثات أو المدارس الخاصة المتميزة، والذين لا يمثلون إلا نقطة في النهر، بينما ما يهمنا هو كون حقوق 99% من المغاربة، أو أكثر من ذلك، تُهضم بحرمانهم من تعليم ذي قيمة جيدة ومرتفعة يضمن لهم مستقبلهم ويحافظ لهم على هويتهم وإنسيتهم المغربية.

يجب ألا نُخفيَ الشمس بالغربال. فاللغة هي مقوم وحدة كل بلد. وعندما نتكلم عن اللغة العربية فالأمر يصبح أكثر وضوحا لأنها -إضافة إلى كونها لغة القرآن الكريم- فهي لغة الإسلام، الذي هو الركن الأساسي لوحدة البلاد؛ الوحدة التي يضمنها الملك كأمير للمؤمنين في وطن كان دائما الحصنَ الحصين للدفاع عن الإسلام. وكل هذه المقومات مرتبطة في ما بينها ومن الخطر المساس بأحدها.

وأخيرا، فكل هذه المشاكل موجودة لأن المغرب أصبح يشهد نوعا من التسيب. فكيف لحكومة تحترم نفسها أن تقدّم مشروع قانون أمام البرلمان في الوقت الذي تعيش مكوناتها وأغلبيتها البرلمانية انقساما؟ الحزب الذي يقود هذه الحكومة، والذي يتوفر على 125 نائبا برلمانيا يوجد في جهة، بينما باقي الشتات المكمل للأغلبية يصطفّ في جهة ثانية.. أما وزير التعليم فيسمح لنفسه بأن يعمل على تطبيق إجراءات قبل أن تتم الموافقة عليها ويتبجّح بالقول إن هذه الإجراءات لا رجعة فيها.. فأين الدستور؟! وما علاقة هذا القانون -الإطار المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي بما جاء، في كثير من الفقرات، في التقرير الذي أنجزه المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي؟

فكيف، إذن، تريدون أن تسير الأمور؟ فكل هؤلاء محتاجون إلى العودة إلى كراسي المدرسة، لكنْ هذه المرة باللغة العربية. فكفى من عهر الفكر!

وهنا أريد أن أختم بهذه الأبيات لعلال الفاسي، الذي أشار فيها إلى أن اللغة العربية عرفت دائما مناهضين لها لأنها تمثّل خطرا على العقول المستعمَرة. يقول علال الفاسي:

لم يبق صوت لهذا الشعب يرفُعه       إلا ونـادى بـه والحـقّ يـجـمـعـه

إلا ونادى لسانُ الضاد يجمعـنا       ومن يرد غيرها الخسرانُ يطبعه

إن العروبة والإسلام وحْـدتُـــنا       ومَن أبى خارجٌ عــــنا نــوَدِّعُه

فهل له من رجال الحكم مقتنــــع     بأن مــا قالــه حق يُرجعــــــــــه

عليه تنفيذ مـــا تبغـــــيه أمتـــــه     إن التــجاهــل في الثورات يوقِعـه

اللامبالاة لا تُجدي وإن كسـبــت     وقــتــا لِذي الحكم فالأيـــام تودِّعه

لا شيء أوقــــع من صـوت يردده    شعب بحق الحياة الحــرة مطمعُه

ما تم حريةُ للشعب فــي وطـــــن     لسانه -الحكمُ عن عمد يضيِّعه…

***
الرباط، في 25 فبراير 2019

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.