تقي الدين تاجي

في وقت لا ينفك فيه، حزب العدالة والتنمية، يحذر من “المال السياسي”، باعتباره يُخل بتكافؤ الفرص بين المتنافسين، ويمس بنزاهة ومصداقية العملية الانتخابية.

تداول عشرات من مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي، مقطعاً مصوّراً يظهر فيه، “سعد الدين العثماني “الأمين العام لهذا الحزب، ورئيس الحكومة المنتهية ولايتها، ووكيل لائحة “المصباح” بدائرة المحيط – الرباط، وهو يدعو الناخبين، إلى “قبول أموال تجار الإنتخابات”، شريطة عدم التصويت لهم.

يصدر هذا “الكلام” عن العثماني، الذي يقدم نفسه كفقيه، وعلامة، بينما لا يجد حرجا في التوسل، بمنطق “الديب حرام ومرقتو حلال”، من أجل تفصيل “فتاوى وفق المقاس المطلوب”، الذي يخدم “مصالحه السياسية والحزبية الضيقة”.

والواقع أن دعوة ” العثماني” الناخبين وعموم المواطنين، الى قبول الرشاوى، هي في أساسها تشجيع على استعمال “المال السياسي”، ودعوة صريحة للتطبيع مع الفساد، الذي يدعي هذا الحزب، محاربته منذ ما يزيد عن 20 سنة، منها عشر سنوات قضاها على رأس الحكومة، دون أن يفلح في ذلك.

وإذا كان زعيم حزب المصباح، لا يرى مشكلا في الترويج لمثل هاته الخطابات، التي أكل عليها الدهر وشرب، ربما وجب تذكيره، – لعل الذكرى تنفع المؤمنين –  أن “الفاعل السياسي”، يتوجب عليه دائما استحضار البعد الأخلاقي، كإطار يتوخى سلوك الفرد، فتأطير السياسة بالأخلاق لابد منه، لكون هاته الأخيرة، في أصلها فكرة أخلاقية، تستند إلى مبدأ المصلحة العامة.

وعلاوة على ذلك، فإن خطورة دعوة العثماني الى “استباحة” أموال تجار الإنتخابات، تتجلى أيضا، في إستنادها إلى “مرجعية متشددة”، تنهل من فكر “متطرف”، لإندراجها ضمن ما يُطلق عليه “شيوخ الوهابية”  “الاحتطاب”.

وهو مصطلح تحفل به أدبيات، الجماعات الاسلاموية، كتأصيل فقهي “مُفترض”، لشرعنة إستحلال أموال من تصفهم بـ “الكفار”، وهو أيضا ليس سوى تحديث لمفهوم الغنيمة المرتبط بـ “الحرب”.

وهاته مسألة خطيرة جدا، خاصة حين يصدر ذلك، عن زعيم حزبي يتولى رئاسة الحكومة، فضلا عن كونه خريج كلية الشريعة، وحاصل على شهادة الدراسات العليا في الفقه وأصوله من دار الحديث الحسنية بالرباط، ودبلوم الدراسات العليا في الدراسات الإسلامية من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط .

كما أن هذا الخطاب يتناقض، مع المجهودات التي بذلها ولا زال يبذلها المغرب، من أجل محاربة الرشوة، وتحسـين تصنيفه في مؤشرات إدراك الفساد؛ سعيا الى ترسيخ منظومة القيم، والنزاهـة والمواطنـة، وتخليق الحياة العامة.

ولعل من بين أخطر التجليات الأخرى، لخطاب زعيم حزب العدالة والتنمية، هو إعطائه الشرعية، للرشوة، والافتاء بكونها “مالا حلالا” إذا كان مصدرها خصوم حزب “البيجيدي”، لينطبق عليه بذلك المثل المغربي الشهير “اللي بغى ياكل شي عْشبة كيدير ليه سمية”، عوض إعطائه القدوة والمثل، لثقافة جديدة تنبد الفساد، وتراعي المصلحة العامة على كل ما هو شخصي، وتشجع المواطن على التبليغ عن الرشوة، عوض تشجيعه على تلقيها.

الحاصول “لفقيه اللي تسنينا براكتو دخل للجامع ببلغتو”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.