الدار البيضاء: أسماء حسن

تواصل سلسلة متاجر “بيم” التركية توسعها بشكل ملحوظ في المملكة، وتتوغل يوما بعد الآخر وسط الأحياء السكنية الشعبية، لتلتهم العشرات من محلات القرب وتقضي على نشاط التاجر الصغير الذي يطلق عليه محليا “مول الحانوت”.

ويشتكي أصحاب المحلات الصغيرة لبيع المواد الغذائية الأساسية في المغرب، من المنافسة غير العادلة مع السلسلة التركية التي تجذب الزبائن بالسلع المستوردة والتخفيضات والعروض الأسبوعية.

وتتسبب هذه العلامة التركية التي تضم 562 متجرا في مختلف أنحاء المغرب، في إغلاق 60 محلا تجاريا للقرب في كل حي سكني تتواجد داخله، حسب ما كشف عنه سابقا وزير التجارة والصناعة المغربي مولاي حفيظ العالمي.

وتشترط الحكومة المغربية على ممثلي السلسلة التجارية توفير نصف السلع المعروضة من المنتجات المغربية لتفادي توقيف عملها، غير أن ذلك لم يحد من توسع نشاطها في المملكة واستمرار تهديدها لتجار القرب بشبح الإفلاس.

وشهدت جل الأسواق المغربية خاصة سوق النسيج غزوا غير مسبوق للسلع التركية في السنوات الأخيرة، وهو ما دفع الرباط إلى تعديل اتفاق التبادل الحر الذي يجمع بين البلدين.

وينص الاتفاق الجديد الذي دخل حيز التنفيذ في ماي المنصرم على فرض رسوم جمركية لمدة 5 سنوات على عدد من المنتجات الصناعية المستوردة من تركيا، لتبلغ نسبة 90 في المائة من قيمة الرسوم الجمركية المطبقة.

منافسة غير عادلة

يملك العربي الداموح محلا تجاريا لبيع المواد الغذائية وسط الدار البيضاء، وفي الجانب المقابل لبقالته افتتحت سلسلة “بيم” التركية متجرا جديدا، يقول محمد: “أعمل في هذا المحل لما يقارب 15 عاما، وفي السنة الأخيرة فقدت الكثير من زبائني بعد أن افتتحت “بيم” محلا لها في الحي وأصبحت تقدم عروضا وأسعار مغرية كل يوم جمعة وثلاثاء”.

ويضيف العربي قائلا: “أعرف العديد من أصحاب المحلات الصغيرة اللذين اضطرتهم المنافسة غير المتكافئة مع متاجر “بيم” إلى التخلي عن نشاطهم، بعد تراجع الإقبال على شراء السلع التي يعرضونها والمنتجات محلية الصنع”.

ولا يخفي العربي تخوفه من تزايد انتشار سلسلة “بيم” بشكل أكبر داخل البلاد وغزوها للأحياء الشعبية، وما سيشكله ذلك من تأثير مباشر على نشاط التاجر الصغير الذي لا يملك القدرة على المنافسة.

نشاط متسارع

العربي هو واحد من بين التجار الذين تتعالى أصواتهم باستمرار للمطالبة بوضع حد لتغلل هذه العلامة التركية في المغرب، واتخاذ إجراءات تنظم وثيرة انتشارها المتسارعة وتمنعها من إقبار نشاطهم التجاري.

يقول محمد الذهبي، الكاتب العام للاتحاد العام للمقاولات والمهن، إن “المحلات التجارية من قبيل “بيم” أضحت تشكل خطرا حقيقيا على تجارة القرب في الأحياء الشعبية، وقد تؤدي مستقبلا إلى القضاء على التاجر الصغير الذي يساهم في خلق نوع من السلم الاجتماعي عبر تعاملاته المالية السلسة مع الزبائن”.

ويؤكد الذهبي في تصريح لـ”سكاي نيوز عربية”، أن تاجر القرب البسيط يواجه منافسة غير متكافئة مع تلك السلسلة التجارية، التي يحكمها نظام تجاري يعتمد على التخفيضات والعروض المغربية بشكل متواصل، وهو ما يجذب الزبناء.

ويلفت الذهبي إلى مجموعة من المقترحات التي يمكن من خلالها مواجهة توسع سلسلة “بيم”، أبرزها تخفيض عددها والترخيص باشتغالها خارج الأحياء الشعبية، مع حماية قطاع التجارة الصغرى من خلال دعم التاجر حتى يصبح قادرا على المنافسة.

تعديل اتفاقية التبادل الحر

وعانى التجار المغاربة في السنوات الأخيرة، من إغراق السوق المغربية بالمنتجات التركية، على حساب الإنتاج المحلي والوظائف، مما دفع الرباط إلى طلب تعديل اتفاقية التبادل الحر التي انطلق العمل بها سنة 2006 بين البلدين.

وتكبد الاقتصاد المغربي خسارة جسيمة جراء الاتفاقية السابقة قدرت بنحو ملياري دولار سنويا، كما تسبب غزو النسيج التركي للمغرب، في خسارة نحو 19 ألف منصب شغل عام 2014، ونحو 24 ألف في عام 2015، فيما وصل عام 2016 إلى نحو 35 ألفا وظيفة، واستمر في الارتفاع عام 2017 حيث بلغ نحو 44 ألف منصب شغل، وفق معطيات سابقة قدمها وزير الاقتصاد مولاي حفيظ العلمي.

ويرى خبراء اقتصاديون أن تعديل اتفاقية التبادل الحر بين المغرب وتركيا وفرض رسوم جمركية على المنتجات الصناعية التركية، خطوة كان لبدل منها من أجل إعادة التوازن للتبادل التجاري، خاصة مع الخسائر الفادحة التي لحقت بالاقتصاد المغربي.

في هذا الصدد، يؤكد الخبير الاقتصادي نجيب الصومعي، أن المغرب قام بخطوة هامة من خلال إعادة النظر في اتفاقية التبادل الحر مع تركيا، وذلك للحد من غزو المنتجات التركية للأسواق المغربية وتقوية مقاولات المملكة وتعزيز قدرتها المستقبلية على منافسة نظيرتها التركية.

حماية تجارة القرب

في المقابل يرى الخبير الاقتصادي أن المحلات التجارية التركية مثل “بيم” والتي لم تتأثر جراء تعديل الاتفاق التجاري نتيجة اعتمادها على منتجات محلية الصنع، يجب التعامل معها بشكل حذر على اعتبار أنها تهدد منظومة تجارة القرب، التي تعتبر من بين أهم آليات التماسك الاجتماعي.

ويشير الصومعي في تصريح لـ”سكاي نيوز عربية” إلى أن “تجارة القرب في المغرب تمثل سلسلة اقتصادية تقوي الطلب الداخلي وخزان للتشغيل إضافة إلى تمويلها اليومي لحاجيات سكان الأحياء الشعبية باعتماد تسهيلات الاداء، وهو ما لا توفره السلاسل التجارية الكبرى”.

ويشدد المتحدث على أن الترخيص لافتتاح أي محل تجاري لـ”بيم” في المغرب، يجب أن تحكمه مجموعة من الضوابط، أهمها الابتعاد عن المساحات التي تضم تجارة القرب، مع شرط أن توفر 95 بالمئة من سلعها من المنتجات المحلية المغربية.

ودعا الصومعي إلى ضرورة مساعدة التاجر الصغير على المنافسة مستقبلا، من خلال إحداث مركزيات الشراء التي يمكنها أن تساعده على توفير السلع بأسعار مخفضة، مع تسهيل ولوجه إلى التمويل البنكي الدائم من أجل تقوية قدراته المالية.

سكاي نيوز عربية

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *