يعيش سكان بلوك ج -13 في ظلّ الحِجر في رمضان للمرة الثانية. مجددا، تُقرّر الحكومة فرض الحظر ليلا. في هذا الحي الخلفي، كما في كامل المدينة والبلد، ستتقيّد الحركة وتُخنق الأنفاس وتُعدّ الخطوات.. تلك أحكام الجّايْحة، وما على الحكومة إلا التنفيذ. كلّ العالم يخضع لفيروس تافه. تعود إلى الأذهان ذكريات التجربة -الكابوس. مرة أخرى، يجد سكان البلوك، أو سْويقة المحاميقْ، أنفسهم “فاصْ أفاصْ” مع الحقيقة، حقيقة أنفسهم وحقيقة الآخر، الأخ والحبيب والزوّج والصديق والجار والعابر، في ظرفية استثنائية، والوبأ مستجدّ ومستبدّ..

عبّاس لعورْ واحدٌ من قاطني ديورْ 13. إسكافيّ (خْرّاز) وبائعُ سجاير بالتقسيط (الدّيطايْ) ووسيط عقاري (سْمسار) ومساعد تاجر ومرشد سياحي غير مرخّص وربما واشٍ ومُقدّم خدمات متنوعة. يقدّم عبّاس خدماته للقاطنات والقاطنين بدون مقابل، غير الله يْرحم الوالدين المأثورة. للعابرين يعرض خدماته ووساطاته مقابل ما يجود به الواحد منهم، حسب طبيعة الخدمة، من نسبة أو بقشيش أو هدايا وأكسسوارات أو حتى وجبات أو ما بقي منها أحيانا.. “سْبع صّنايع”، تستفزّه زوجه هْنيّة الكْعية، متقلّبة المزاج.. يعيش معها عْبيبيس مواقف غريبة ضمن أخرى، في حومة غريبة، خلطت تداعيات الوبأ أوراقها أكثر ممّا هي مخلوطة..

تابعوا معنا، طوال رمضان، هذه “الخالوطة” من الوقائع الغريبة في هذه الحومة الغريبة في أزمنة تحكمها جايْحة غريبة..

(ملحوظة: كلّ تشابُه في الأسماء أو الأحداث أو التواريخ بين ما يرد في هذه السطور والواقع هو من قبيل.. صدفة غريبة)    

ع. الرزاق برتمزّار

الحلقة الـ18

كنت أعرف أنها على وشك اقتراف واحدة من فصول سهراتهما الرومانسية التي تنتهي في الغالب بوحوحاتها، التي تشقّ الأجواء قبيل آذان الفجر بقليل.

منذ رأيتُها وهي تلفّ من هنا إلى هناك ومن حانوت إلى حانوت في ليلة النص خمّنت أنها تستعد، لمصالحة تاريخية مع عبيبيس. كانت العلاقات بينهما قد انقطعت تقريبا منذ جرجرته في الشارع وكادت تُنهي حياته، وهي تسحله مخنوقا في الساحة في ذلك الجو الممطر والبارد.

حدّثني عبيبيس، تلميحا في الغالب، مرات متقطعة عن الأمر وأفهمني أنه لم يعد حتى يكلّمها. قال لي، في إحدى “إشراقاته”، التي يبلغها حين يكون الكيفّْجيدا ومدرّحا بالنسبة والقدْر المطلوبين، وهو ما كنت أجيده دونا عن خلق الكيَافة، إنه وجد في ذلك راحة لا تقدّ وحلا للعديد من مشاكل الضغط والقلب التي يعاني منها.

قال ذلك، منتشيا، وهو يدفع سحابة من الدخان من فتحتي منخريه، وعيناه الحمراران تظهران بالكاد وسط “ضباب” الغرفة. لم أشأ أن أعكّر مزاجه، لكنْ كنت أشك في أنها تحضَر لليلة استثنائية، ليلة النصّ.

وحين حكى لي أمس عن أنها أعدّت له، في ليلةْ النصّ، طبق رّفيسة بالدجاج البلدي وبكل ما يلزم من توابل ومنسّمات “راسْ الحانوتْ”، تأكدت شكوكي وتخميناتي، سنشهد -بالسمع- فصلا آخر من فصول حياتهما الحميمية التي تفضحها وحوحاتُها التي لا تستطيع التحكّم فيها. والحقيقة أنني، كما غيري، حاولتُ مرارا التلميح له إلى أن الأمر محرج للجيران، فقد كان يفتعل أنه لم يلتقط إشارتي، فيتجنّب الموضوع.

بالنسبة إلى عباس لعورْ، كان أمر ثني زوجته عن إفشاء سر غرفة النوم بتلك الطريقة المحرجة، لهما ولجيرانهما، منتهيا والنقاش فيه مجرّد مضيعة الوقت. فقد أفهمته أن الأمر يخرج عن قدرتها وأنها لا تستطيع شيئا إزاء هذا الأمر تحديدا مهما حاولتْ.

كان ذلك واحدا من المواضيع القليلة التي توصّلا فيها إلى اتفاق بسهولة ودون أخذ ورد. كان ما يعاني جرّاء ذكر كلمة “لعْسل” أمامه دور كبير في جعله يفهم حالة زوجته. فهو حين يسمع هذه الكلمة تحديدا يفقد كل سيطرة على نفسه، فيضرب ويسب أيا كان في دائرة يديه أو رجليه، بل قد يحمل حجارة أو أي شيء قد تصل إليه يده في تلك اللحظة ويرمي به أقرب شخص إليه، ولو أصابه إصابة خطيرة أو متى قتله.. لا يدري لمَ ربط بين الحالتين، لكنه أيقن من أن حالة هْنيّة بشأن الفراش ميؤوس منها تماما مثل ردّ فعله وهو يسمع “لعْسل”.

ووحوحاتُ هْنيّة تخرق مسامعي في ليلة الـ17 من رمضان، منتشية وصارخة “زيد أعبيبيسْ زيد”، خطرت ببالي فكرة شيطانية، ربما لو طبّقاها لأراحا الجوار من هذا الحرج اللامنتهية: ماذا أو أشعرانا كلّليلة ينويان فيها فعلها،حتى نستعد ونرفع صوت الموسيقى في أجهزتنا، مثلا، حتى لا نضطر إلى أن “نعيش” معهما آخر لحظات ارتعاشتهما وكأننا نتقاسم معهما غرفة النوم!؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *